نوفمبر 15, 2020

أحد بشارة زكريا

الأب نبيل حبشي ر.م.م

إنجيل لوقا (لو 1/ 1-25)

بشارة زكريّا

بِمَا أَنَّ كثيرينَ أَخَذُوا يُرَتِّبونَ رِوَايةً لِلأَحْدَاثِ ٱلَّتي تَمَّتْ عِنْدَنا،

كَمَا سَلَّمَها إِلَيْنَا مَنْ كَانُوا مُنْذُ البَدْءِ شُهُودَ عِيَانٍ لِلْكَلِمَة، ثُمَّ صَارُوا خُدَّامًا لَهَا،

رَأَيْتُ أَنا أَيْضًا، أَيُّهَا الشَّرِيفُ تِيُوفِيل، أَنْ أَكْتُبَها لَكَ بِحَسَبِ تَرْتِيِبهَا، بَعْدَما تَتَبَّعْتُهَا كُلَّها، مُنْذُ بِدَايَتِهَا، تَتَبُّعًا دَقيقًا، لِكَي تَتَيَقَّنَ صِحَّةَ الكَلامِ الَّذي وُعِظْتَ بِهِ.

كَانَ في أَيَّامِ هِيرُودُس، مَلِكِ اليَهُودِيَّة، كَاهِنٌ ٱسْمُهُ زَكَرِيَّا، مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، لهُ ٱمْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ ٱسْمُها إِليصَابَات.

وكَانَا كِلاهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ الله، سَالِكَيْنِ في جَمِيعِ وصَايَا الرَّبِّ وأَحْكَامِه بِلا لَوْم.
ومَا كَانَ لَهُمَا وَلَد، لأَنَّ إِليصَابَاتَ كَانَتْ عَاقِرًا، وكَانَا كِلاهُمَا قَدْ طَعَنَا في أَيَّامِهِمَا.

وفِيمَا كَانَ زَكَرِيَّا يَقُومُ بِالخِدْمَةِ الكَهَنُوتِيَّةِ أَمَامَ الله، في أَثْنَاءِ نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ،

أَصَابَتْهُ القُرْعَة، بِحَسَبِ عَادَةِ الكَهَنُوت، لِيَدْخُلَ مَقْدِسَ هَيْكَلِ الرَّبِّ ويُحْرِقَ البَخُور.
وكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلِّي في الخَارِج، في أَثْنَاءِ إِحْرَاقِ البَخُور.

وَتَراءَى مَلاكُ الرَّبِّ لِزَكَرِيَّا وَاقِفًا مِنْ عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ البَخُور،
فَٱضْطَرَبَ زَكَرِيَّا حِينَ رَآه، وٱسْتَولَى عَلَيْهِ الخَوف.
فقَالَ لهُ المَلاك: «لا تَخَفْ، يَا زَكَرِيَّا، فَقَدِ ٱسْتُجيبَتْ طِلْبَتُكَ، وَٱمْرَأَتُكَ إِلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ٱبْنًا، فَسَمِّهِ يُوحَنَّا.

ويَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَٱبْتِهَاج، ويَفْرَحُ بِمَوْلِدِهِ كَثِيرُون،
لأَنَّهُ سَيَكُونُ عَظِيمًا في نَظَرِ الرَّبّ، لا يَشْرَبُ خَمْرًا ولا مُسْكِرًا، وَيَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَهُوَ بَعْدُ في حَشَا أُمِّهِ.
ويَرُدُّ كَثِيرينَ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ إِلى الرَّبِّ إِلهِهِم.
ويَسيرُ أَمَامَ الرَّبِّ بِرُوحِ إِيلِيَّا وقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلى الأَبْنَاء، والعُصَاةَ إِلى حِكْمَةِ الأَبْرَار، فيُهيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُعَدًّا خَيْرَ إِعْدَاد».

فقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاك: «بِمَاذَا أَعْرِفُ هذَا؟ فإِنِّي أَنَا شَيْخٌ، وٱمْرَأَتي قَدْ طَعَنَتْ في أَيَّامِهَا!».
فأَجَابَ المَلاكُ وقالَ لهُ: «أَنَا هُوَ جِبْرَائِيلُ ٱلوَاقِفُ في حَضْرَةِ الله، وقَدْ أُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وأُبَشِّرَكَ بِهذَا.
وهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا، لا تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّم، حَتَّى اليَوْمِ الَّذي يَحْدُثُ فِيهِ ذلِكَ، لأَنَّكَ لَمْ تُؤْمِنْ بِكَلامِي الَّذي سَيَتِمُّ في أَوَانِهِ».

وكَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظرُ زَكَرِيَّا، ويَتَعَجَّبُ مِنْ إِبْطَائِهِ في مَقْدِسِ الهَيْكَل.
ولَمَّا خَرَجَ زَكَريَّا، لَمْ يَكُنْ قَادِرًا أَنْ يُكَلِّمَهُم، فأَدْرَكُوا أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا في المَقْدِس، وكَانَ يُشيرُ إِلَيْهِم بِالإِشَارَة، وبَقِيَ أَبْكَم.

ولَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ، مَضَى إِلى بَيْتِهِ.
وبَعْدَ تِلْكَ الأَيَّام، حَمَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ إِلِيصَابَات، وكَتمَتْ أَمْرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُر، وهِيَ تَقُول:
هكَذا صَنعَ الرَّبُّ إِليَّ، في الأَيَّامِ الَّتي نَظَرَ إِليَّ فِيهَا، لِيُزيلَ العَارَ عَنِّي مِنْ بَيْنِ النَّاس!.
 

تأمل: (لمزيد من الإستنارة الروحيّة قراءته طوال الأسبوع بتمهّل)

يختلف القدّيس لوقا عن سائر الإنجليّين فيبدأ إنجيله بمطلع يقدّم فيه كتابه إلى رجلٍ إسمه تاوفيلس. كان هذا الرَّجل وثنيًّا ثمّ صار مسيحيًّا. يضع القدّيس لوقا هذا الخبر في قالبٍ أدبيّ من قوالب العهد القديم التي تعبّر عن ظهورات الله، وعنِ البُشرى بولادة “رجال عظام” ذوي دور كبير في تاريخ الخلاص أمثال إسحاق وشمشون وصموئيل. وقد فعل القدّيس لوقا ذلك ليثـبّت أن تصميم الله الخلاصيّ  قد بدأ الآن يتحقّـق.

فالشخصيّات التي يعرضها لوقا على مسرح الكتاب المقدّس، نرى من خلالها كيف أنَّ الله يختار أشخاصًا ليبدأ مع البشريّة من جديد. لذلك الله نفسه يضع نقطة بداية جديدة، بداية حوار في وسط بشريّة ابتعدت عن الخلاص.

رتبة وضع البخور: انَّ رتبة وضع البخور رتبة يوميّة كانت ُتقام في الهيكل قـُـبيل ذبيحة الصباح، وبعد ذبيحة المساء، تُجدَّد فيها النار وتُحرق الطيوب على مذبح البخور، القائم أمام حجاب قدس الأقداس. هذا كان شرفـًا كبيرًا لكاهنٍ مثل زكريّا أن يقوم بتلك الرتبة نظرًا لكثرة عدد الكهنة.

معنى الأسماء: الله تذكّر، الله أٌقسم، الله تحنّن: زكريّا، أليصابات أو أليشابع، يوحنّا. هكذا ندخل في تاريخ الخلاص، إنّها حقبة جديدة تبدأ مع ميلاد المُخلّص الذي يهيّئه ميلاد يوحنّا. تذكّر الله، بدا وكأنّه نسيَ العهد مع شعبه الذي يمثّله ذلك الكاهن.

في عُرْفِ العهد القديم كان الولد بركة من الله للوالدين، لذا يُشدّد لوقا على عقر أليصابات وشيخوختها ليجعل من الحبل بيوحنّا عملا ً إلهيًّا عجيبًا. لأليصابات في التوراة مثيلات: سارة، ورفقة، وراحيل، وأمّ شمشون، وحنّة أمّ صموئيل.

هذه الولادة تمّت لامرأة انتظرت طويلا ً قبل أن تلد فاعتُبرت عاقرًا. لذلك الله لا يختار الطرق البشريّة والعادات المألوفة، بل الطرق المستحيلة التي تبدو بعيدةً  كلَّ البُعدِ عن تفكير الإنسان.

قبل أليصابات كانت سارة زوجة إبراهيم. قال الربّ: “في السّنة المُقبلة يكون لسارة إمرأتك إبن” ولكنّ سارة ضحكت، هي لم تُصدّق. أترى إبراهيم صدّق؟ لا يقول الكتاب شيئًا. أمّا زكريّا فجاء سؤاله سؤال الشكِّ والريبة. هذا مستحيل. “أنا شيخٌ وامرأتي عجوز”. ولأنّه لبث في عاطفته البشريّة صار أخرس لا يستطيع الكلام.

بقي زكريّا محبوسًا في منطق العهد القديم، في الوقت الذي كان مدعوًّا فيه للدخول في منطق العهد الجديد: “…وهذا هو الشهر السّادس لتلك التي كانت تُدعى عاقرًا”. فما من شيءٍ يعجز الله” (لو1/ 36-37). فمجيء هذا الابن إستباق لمجيء المسيح الذي هو الله وابن الله، أمرٌ لا يُصدّق على مُستوى البشر ولكنّه حقيقيّ على مُستوى الله.

قضى زكريّا طيلة حياته يُصلّي إلى الله لكي يُرزق ولدًا، وعندما استجاب له الرَّبُّ وبشّرَهُ بأنَّ صلاته استُجيبت، لم يُصدّق. لذلك يريد زكريّا أن يُجيب الله في قرارة نفسه، الآن تذكرّتني عندما أصبحتُ أنا وامرأتي شيخين طاعنين في السِّن؟

وهذا ما نفعله نحن عندما نريد أن نطلب من الله وفي نهاية صلاتنا نُجيب مُتردِّدين في إيماننا كيف يكون ذلك؟ فننسى أنَّ الله يتذكّر وهو يُمهِل ولا يُهمل.

غالبًا ما نطلب إلى الله بأن يكون حاضرًا لنا وجاهزًا لتلبية حاجاتنا، فقط عندما نُريد نحن، هل نحن جاهزون لسماع كلامه وتحقيق ما يريده منّا، عندما يريد هو؟ علينا أن نطلب من الله ليس الشيء السَّهل، بل الشيء الذي لا يمكننا تحقيقه.

في ظلماتِ حياتنا نحن مدعوُّون أن نؤمن أنَّ المستحيل عند الإنسان هو مُمكنٌ عند الله. مدعوُّون أنْ نؤمن بأنَّ عمل الله يبدأ في تاريخنا عندما يزولُ كلُّ أملٍ وينتهي كُلُّ رجاء وعندما  تُستنفد جميعُ المحاولات والطرق البشريّة المألوفة.

المحنة تضع إيماننا على المحك، فهي فرصة يُمتحن فيها وتوصلنا إلى إدراك عمقِ سِرِّ الله. وهذا ما نراه ظاهرًا في كلِّ صفحات الكتاب المقدّس “فقال لهم: أين إيمانكم؟ فخافوا وتعجبّوا، وقال بعضهم لبعض: من تُرى هذا حتّى الرّياح والأمواج يأمرها فتُطيعه؟”.

إنَّ صمت زكريّا أوصله إلى معرفة إرادة الله، وهذا ما يدعونا إليه إنجيل اليوم وهو أن نحتفظ بالصَّمت ونبتعد عن التذمّر كأيوب الصّديق: “إني قد سمعتك سمع الأذن أمّا الآن فعيني قد رأتك” (أيوب 42/ 6).

فلا بُدَّ من الصَّمت والسُّكوت في المحنة للدّخول في سِرِّ الله. لهذا احتاج الكاهن تسعة أشهرٍ قبل أن يُعلن اسم الصبيّ وينشد “تبارك الله”.

إنّ الله أمين فلن يأذن أن تُجرَّبوا بما يفوق طاقتكم، بل يؤتيكم مع التجربة وسيلة الخروج منها بالقدرة على تحمّلها” (1قو 10/ 14).

أسئلة للتأمل والتفكير:

1- هل نُدرك أنَّ الرُّوح القدس يتّخذ طرقـًا لا يُمكن أن نفهمها بسهولة، ولكنّه يدعونا إلى السَّير فيها؟

2- هل نُدرك من خلال الصَّمت الذي عاشه زكريّا، أنَّ الابتعاد عن الضجيج واكتساب الصَّمت هما عاملان يساعدان على تركيز شخصيّة الإنسان من الدّاخل ومن الخارج؟

3- هل أعي أنَّ الإنسان الصَّامت هو مقرّ لعمل الله الخفيّ؟ وأنَّ التأمّل ليس وقتًا فارغًا، بل التأمّل يُساعد على اكتشاف الله من خلال كلّ الأحداث؟

4- ما هي الهموم التي بلبلبت حياتي؟ هل أدركت أنَّ عمل الله يبدأ عندما يزول كلّ أمل وينتهي كلّ رجاء؟

5- هل إيماني نظريّ أم مُعاش؟ وهل أثق أنَّ المستحيل عند الانسان هو ممكن عند الله؟

صلاة:

يا من أتيت بتجسدّك كي تنقلنا على أجنحة الرُّوح القدس من ظلمة العهد القديم إلى أنوار العهد الجديد، أتيت تحوّل عقم أليصابات إلى خصوبة وصمت زكريّا إلى شكران، دعنا نؤمن ونثق بك في محنة إيماننا، إنَّ كلمتك تتمُّ في أوانها، وإنَّ المُستحيل بين الخلائق هو مُمكنٌ عندك. أنت يا من لا تزال تتدخل دون مللٍ في تاريخنا الشخصيّ، لتفتح ما نُغلقه وتشفي أمراضنا. لك المجد إلى الأبد، آمين.