نوفمبر 27, 2020

“أنا الخُبزُ الذي نزَلَ مِنَ السَّماءِ”

الخوري كامل كامل

الجمعة ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٠
الجمعة من اسبوع بشارة العذراء.

انجيل القديس يوحنا ٦ / ٤٠ – ٤٤

“أنا الخُبزُ الذي نزَلَ مِنَ السَّماءِ”

“وهذا ما يُريدُهُ أبـي إنَّ كُلَّ مَنْ رأى الابنَ وآمنَ بِه نالَ الحياةَ الأبديَّةَ، وأنا أُقيمُهُ في اليومِ الآخِرِ. فتَذَمَّرَ اليَهودُ على يَسوعَ لأنَّهُ قالَ أنا الخُبزُ الذي نزَلَ مِنَ السَّماءِ، وقالوا أما هوَ يَسوعُ ا‏بنُ يوسُفَ نَحنُ نَعرِفُ أباهُ وأُمَّهُ، فكيفَ يَقولُ الآنَ إنَّهُ نزَلَ مِنَ السَّماءِ . فأجابَهُم يَسوعُ لا تتَذَمَّروا فيما بَينَكُم. ما مِنْ أحدٍ يَجيءُ إليَّ إلاَّ إذا ا‏جتَذَبَهُ الآبُ الذي أرسَلَني، وأنا أُقيمُهُ في اليومِ الآخِرِ”.

التأمل: “أنا الخُبزُ الذي نزَلَ مِنَ السَّماءِ”

لا أحد في التاريخ غير يسوع قال :” أنا الخبز الذي نزل من السماء”، والخبز يؤكل من قبل الإنسان لا في المناسبات فقط بل كل يوم ليسد به جوعه.

عندما يقول :”أنا الخبز” يعني أنه جعل من ذاته في كل “كينونيته” جسداً وروحاً، طعاماً لمن أحبهم.

يتخطى هذا العطاء “عطاء الذات” المعقول والممكن، فمن يعطي من ماله أو من وقته أو من علمه أو من رزقه إنما يعطي ما هو فائض عنه ولا يحتاجه فعلاً ليعيش، لكن عطاء يسوع لذاته عن سابق تصور وتصميم وبارادة حرة وواعية هو فعلٌ يتخطى حدود العقل والمنطق، فعلُ انسان يفضل الموت ليحيا غيره، يبذل نفسه من أجل خلاص البشرية جمعاء.. هذا الفعل تصرف خارج عن المألوف، لا بل غريبا عن عالمنا ويمكن وصفه بالجنون.

أليس من الجنون أن يجعل أي إنسان من جسده مأكلا حقا ومن دمه مشربا حقا؟ والبشر غير راضين؟

انه الجنون بحد ذاته أن يضحي الانسان بنفسه من أجل آخرين مثلنا، لا نصحو الا على جوع  ولا نغفو الا على شبع، وبين الجوع والشبع نقطع الحدود والمسافات والدول والقارات لنصطاد شبع العيون قبل البطون دون جدوى.

لكن يسوع لم يحسب فداءه لنا خسارة لذلك ،
لا زال هو الخبز النازل من السماء لنأكل منه ولا نجوع. 
لا زال قلبه مفتوح ينزف دما مع كل المعذبين في الارض ليروي العطاش الى البر وليشبع الجياع خيرا.
لا زال في العالم ابطال يملكون شجاعة التضحية بالذات..
لا زالت قطرات دماء القديسين تتطاير في ساحات الشرف، وتجعل منها ساحات جلجلة.

ولا زالت أيادي مئات الالوف من الكهنة تعانق المصلوب، تحمله وتنزله وتطيبه بالصلاة وتناوله للافواه المفتوحة دائما أبدا على الحب الابدي السرمدي الذي لا تقوى عليه مجاعات العالم بأثره.

سيدي أعطنا من هذا الخبز دائما أبدا …

نهار مبارك