فبراير 22, 2024

ابراهيم في ذكرى رقاد الأب بشارة أبو مراد : لنتعلّم منه كيف نقدّم العطاء بدون انتظار المقابل

ابراهيم في ذكرى رقاد الأب بشارة أبو مراد لنتعلّم منه كيف نقدّم العطاء بدون انتظار المقابل

تيلي لوميار/ نورسات

ترأّس راعي أبرشيّة الفرزل وزحلة والبقاع للرّوم الملكيّين الكاثوليك المطران ابراهيم مخايل ابراهيم قدّاسًا احتفاليًا في كنيسة مار الياس المخلصيّة في زحلة، في ذكرى رقاد المكرّم الأب بشارة أبو مراد المخلصيّ، ابن زحلة وابن حارة مار الياس. بعد تلاوة الإنجيل المقدّس ألقى ابراهيم عظة تحدث فيها عن فضائل الأب بشارة ابو مراد، قال فيها بحسب إعلام الأبرشيّة:

“أيّها الأحبّاء في المسيح،

في هذا اليوم المبارك، نجتمع لنتذكّر ونحتفي بحياة وإرث الفخر والعطاء، المكرّم بشارة أبو مراد، ابن الرّهبانيّة الباسيليّة المخلصيّة، ونجم الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة، وابن مدينة زحلة الجميلة، الذي حمل من إرثها الجمال الذي كان فيه، والتّقوى والقداسة. الأب بشارة أبو مراد كان يتّسم بروح التّواضع العميق والتّفاني في خدمة الله وخدمة الإنسانيّة، كلّ من عاش في هذه المدينة يرى أن التّواضع والتّفاني هما فضيلتين متجذّرتين في حياة النّاس، فالزّحليّ إنسان متواضع ومتفانٍ، وهذا ما تتوارثونه جيلاً بعد جيل، والأب بشارة حملها معه من منزله ومدينته إلى ديره. إنّها فرصة لنا لنتأمّل في القداسة الباهرة التي عاشها هذا الرّجل العظيم، فقد كان قدوةً تتلألأ في طريق الفضيلة والغفران والتّسامح. كانت حياته مثالًا يُحتذى به للإيمان الرّاسخ والعمل الخيريّ الذي لا يعرف حدودًا، الذي يحرم الذّات لكي يمنح الآخر، الذي ينقّص ما لنا لكي يزيد ما لغيرنا.

في هذا الزّمن الذي نعيش فيه، يبحث العالم عن الأبطال، وخصوصًا شبابنا وصغارنا، يريدون أن يروا أبطالًا ومثالًا يقتدون به، العالم يبحث عن أبطال لذلك من الصّعب أن نجد بطلاً يخسر في نهاية الفيلم، لأنّه لو حصل لا يعود بطلاً، عادة البطل هو شخصيّة تقدّم للنّاس لكي يقتدي بها النّاس، ولكن نحن نعلم أنّ الأبطال الحقيقيّين هم أولئك الذين يعيشون حياة التّضحية من أجل الآخرين، كما فعل المكرم بشارة أبو مراد، وكما فعل كلّ القدّيسين. من منّا لا يرى في الأم تيريزا بطلاً؟ من منّا لا يرى في القدّيس شربل بطلاً؟ حتّى لو عاش في النّسك يبقى بطل النّسك وبطل الصّلاة، وأبونا بشارة كان بطل الرّعاية والتّبشير والخدمة والتّفاني. لا ينفع اليوم أن نتأمّل فقط في مسيرة حياتهم بقدر ما يجب علينا أن نعيش على مثالهم، وأن نتبنّى فضائلهم: نعيش بمحبّة وتواضع، ونتعلّم منهم كيف نقدّم العطاء بدون انتظار المقابل. العالم يتمحور حول العطاء والأخذ، حتّى في العمل، لكن في المسيحيّة العمل هو صلاة لا ينتظر مقابلًا، لا أحد منّا يصلّي لأولاده وينتظر منهم مقابلًا في نهاية الشّهر! الأب بشارة كان معلّم العطاء بدون مقابل. كانت تلك الرّوح التّواضعيّة تتجلّى في تعامله مع الجميع، والتّواضع ليس عضوًا من أعضاء الجسد، لدينا قلب لكنّه محصور في الدّاخل، العطاء ليس فضيلة محبوسة، العطاء والتّواضع هي فضائل تخرج من الصّدر والقلب، من الفكر والحياة إلى الآخرين، وتكون مجالًا مشتركاً لنا وللآخرين، وعلّمنا أهلنا أن نجيب عندما يمدحنا أحد بأنّنا آخر النّاس، لكي لا يدخل إلى فكرنا الكبرياء، الذي قد ينتقل إلى داخلنا ويخرّب علينا سلامنا، لذلك أبونا بشارة انطلاقًا من هذا التّواضع، كان يعتبر ذاته الأقل من النّاس مستعينًا بتوجيهات الكتاب المقدّس التي تعلمنا كما يقول القدّيس بولس أنّ “التّواضع قبل المجد”، وأن “الذي يتواضع يرتفع”. إنّها الصّفة الجامعة بين القدّيسين: التّواضع. المسيح أخلى ذاته آخذ صورة عبدٍ، والعذراء مريم أعلنت أنّ الله حط المقتدرين عن عروشهم ورفع المتواضعين.

سمعنا في الإنجيل يسوع المسيح يقول “طوبى للودعاء فإنّهم يرثون الأرض” وتصبح الأرض كلّها ملكًا للمتواضعين، وبالتّالي السّماء أيضًا تصبح ملكهم من التّواضع الذي يُنبت القداسة.

هذه الصّفة الجميلة تتجلّى في تفاعل الأب بشارة مع المحتاجين والضّعفاء، حيث كان يقدم نفسه خادمًا للجميع بروح المحبّة والعطاء، بدون أن يطلب شيئًا مقابل ذلك.

أتذكّر عندما كنّا طلّابًا، كنا نقف أمام قبر أبونا بشارة، هذا الذي كان متواضعًا فرُفِع وصار محطّ أنظار كلّ النّاس. أمّا قبر أبونا بشارة تشعر بأن التّواضع يخرج منه، يتخطّى ويخترق البلاطة الموجودة على باب القبر، لأنّ أبونا بشارة لا ينحصر في قبر، القدّيسون لا يحبسون داخل القبور، هم بيننا أحياء أكثر منّا.

من خلال تواضعه، نجد أنّه كان يجذب النّاس إليه بكلّ صدق وإخلاص، فقد كان مصدر إلهام للجميع بسبب بساطته وتواضعه اللّذين كانا يعكسان عمق إيمانه وقوّة روحه.

فلنتأمّل جميعًا في هذا المثال النّبيل للتّواضع، ولنحاول أن نتبع خطاه في حياتنا اليوميّة، بأن نكون أكثر تواضعًا في تعاملاتنا مع الآخرين، وأن نخدم بقلوبٍ متواضعة خالصة، بدون أن نطلب أيّ مكافأة أو تقدير.

فلنكن كما وصف الرّسول بولس في رسالته إلى أهل فيلبي: “لَا يَكُنْ بَيْنَكُمْ شَيْءٌ بِرُوحِ التَّحَزُّبِ وَالاِفْتِخَارِ الْبَاطِلِ، بَلْ بِالتَّوَاضُعِ لِيَعْتَبِرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ غَيْرَهُ أَفْضَلَ كَثِيراً مِنْ نَفْسِهِ” (فيليبي 2: 3).

أنا سعيد أن أرى الكنيسة ممتلئة بوجوه بهذه الوجوه الطّيّبة، وجوه ترى في الأب بشارة أبو مراد منارة للخلاص في زمن صعب، ترى فيه شفيعًا لهذه المدينة زحلة وكلّ احيائها وكلّ عائلاتها، زحلة التي تنمو ليس فقط في هذا السّهل وفي هذا السّفح، لكن تنمو في السّماء عبر قلب أبونا بشارة لأنّه يحملها معه أينما كان.

لقد طَبعت زحلة شخصيّةَ المكرّم بشارة أبو مراد وزرعت فيه بصماتِ السّلام والإيمان، وها هو إرثه يبقى خالدًا في قلوبنا وتاريخنا. لنستمدّ القوّة من روحه النّبيلة ونتعهّد أن نكمل مسيرته في خدمة الإنسانيّة ونشر رسالة المحبّة والتّسامح.

لنعش بتطلّعاته وهدفه النّبيل في بناء عالم أفضل، حيث يسود السّلام والمحبّة والمساواة، ويعم العدل والتّسامح بين البشر، وهذه صفات نفتقدها كثيرًا في لبنان اليوم، وكأنّنا اليوم في لبنان نواجه خطّة مبرمجة، تطبّق بشكلّ دقيق من أجل هدم هيكليّة الدّولة وزرع الفوضى مكانها، الفوضى الهدّامة التي ستنعكس سلبًا على كلّ اللّبنانيّين. لذلك نصلّي اليوم إلى الأب بشارة من أجل زحلة ومن أجل لبنان لكي يستعيد عافيّته، أيّ يستعيد ضميره، فالضّمير قد يُخدّر ويغيّب لكنّه لا يموت، فإذا تعود أحد على الرّذيلة وأعتقد أن لا خلاص له، فليعرف دائمًا أنّ الأب بشارة بانتظاره في كرسيّ الإعتراف التي كان يقضي فيها ساعات طويلة جدًّا، وكرسي الإعتراف هي الآلة الحيّة التي تعيد إحياء الضّمير إلى النّقاء التّام.

أشكر الأب نقولا على هذه الدّعوة، وأجمل ما يمكن أن أفعله في هذا الوقت هو أن احتفل بالذّبيحة الإلهيّة معكم، وأن نكرّم ونتشفّع سويًّا بقدّيسنا الكبير الأب بشارة أبو مراد.

كلّ عيد وأنتم بألف خير.”

‫شاهد أيضًا‬

سوريا الكاردينال زيناري: “٩٠% من السكان يعيشون تحت مستوى الفقر”

سوريا الكاردينال زيناري: “٩٠% من السكان يعيشون تحت مستوى الفقر” – Vatica…