ديسمبر 19, 2020

الاستعداد لِميلاد المخلّص

البابا بنديكتس السادس عشر - 2009

في تساعيّة الميلاد، التي نحتفل بها في هذه الأيّام، تدعونا الكنيسة لِنعيش بِقوّة وعُمق الاستعدادَ لِميلاد المخلّص، الوشيك جدًّا. فالرّغبة التي نحملها كلّنا في قلبنا هي أن يمنحنا العيد المُقبِل، في خضمّ نشاط أيّامنا الأهوج، سلامًا وفرحًا عميقـًا يُلْمِسنا لمسَ اليد طيبة إلهنا ويغمرنا بِشجاعة جديدة.


كي نفهم بشكلٍ أفضل معنى ميلاد الربّ أودّ أن أشير باختصار إلى الأصل التاريخيّ لِهذا الاحتفال. فالسنة الليتورجيّة الكنسيّة لم تَنْمُ في البدء انطلاقـًا من ميلاد المسيح، بل من الإيمان بِقيامته. لِهذا فالعيد الأقدم في المسيحيّة ليس الميلاد، بل الفصح؛ فَقيامة المسيح تؤسِّس الإيمان المسيحيّ، وتكمُن في أساس بشارة الإنجيل ونشأة الكنيسة.

أن نكون مسيحيّين يعني إذًا أن نعيش بِطريقة فصحيّة، تُدخلنا في الديناميّة النابعة من العِماد وتحملنا إلى الموت عن الخطيئة لِنَحيا لله (الرسالة إلى أهل رومة 6، 4).


كان هيبوليتوس الرومانيّ أوّلَ مَن أكَّدَ بوضوح أنَّ يسوع وُلد في 25 كانون الأوّل/ديسمبر، وذلك في معرض تعليقه على كتاب النبيّ دانيال، الذي كتبه حوالي العامّ 204 قبل الميلاد. ويُلاحظ بعض المُفسِّرين أنّه كان يُحتفل في ذاك اليوم بِعيد تجديد هيكل أورشليم، الذي أقامه يهوذا المكابيّ عام 164 قبل الميلاد. ويعني تطابُق التاريخين أنَّ مع يسوع، الذي ظهر كَنور الله في الليل، يتحقّق فعلاً تكريس الهيكل، مجيء الله على هذه الأرض.


اتّخذ عيد الميلاد في المسيحيّة شكله المُحدَّد في القرن الرابع، عندما حلَّ مكان العيد الرّوماني Sol invictus، الشمس التي لا تُقهَر؛ للدلالة على أنَّ النور الحقيقيّ قد انتصر بِولادة المسيح على ظلمات الشرّ والخطيئة.

ولكنّ الجوّ الروحيّ المميَّز والعميق الذي يُحيط بالميلاد تطوّر في العصور الوسطى، بِفضل القدّيس فرنسيس الأسّيزي، المُغرَم بِيسوع الإنسان، بِالعمّانوئيل، “الله معنا”. يروي الكاتب الأوّل لِسيرة حياته، توما من شيلانو، في كتاب “الحياة الثانية” أنَّ القدّيس فرنسيس “كان يحتفل بِعناية لا توصَف بِميلاد الطفل يسوع أكثر من كافّة الاحتفالات، وكان يُسمّيه عيد الأعياد، اليوم الذي فيه رضع الله، وقد جعل نفسه طفلاً صغيرًا، من ثدي إنسان” (مصادر فرنسيسكانيّة، عدد 199، ص. 492).

انطلاقـًا من هذا التعبُّد الخاصّ لِسرّ التجسّد بدأ الاحتفال الشهير بالميلاد في بلدة غريتشو، استوحاه القدّيس فرنسيس على الأرجح من حجِّهِ إلى الأراضي المقدّسة ومن مغارة كاتدرائيّة القدّيسة مريم الكبرى في روما. إنَّ ما دفع فقير أسّيزي كانت رغبته في اختبار بِشكلٍ واقعيّ وحيّ وآنيّ، العظمة المُتواضعة لِحدث ولادة الطفل يسوع ونشر بهجة هذه الولادة على الجميع.


يتكلّم توما من شيلانو في سيرة الحياة الأولى بِشكلٍ حيّ ومؤثِّر عن ليلة مغارة غريتشو، فساهم بِشكلٍ حاسِم في انتشار التقليد الميلاديّ الأجمل، تقليد المغارة. منحَت ليلة غريتشو من جديد للمسيحيّة عُمقَ وجمالَ عيد الميلاد، وربَّت شعب الله على اقتطاف رسالته الأكثر أصالة، وحرارته المميّزة، ومحبّة إنسانيّة المسيح والتعبّد لها. وقدَّمَت هذه المُقاربة الخاصّة لِلميلاد بُعدًا جديدًا لِلإيمان المسيحيّ.

كان الفصح قد ركَّزَ الانتباه على قدرة الله الذي غلب الموت، ودشَّّنَ الحياة الجديدة وعلَّمَ الرّجاء في الدّهر العتيد. بينما بدا جليًّا مع القدّيس فرنسيس ومغارته حبّ الله الأعزَل وتواضعه وطيبته، التي تظهر للبشر في تجسّد الكلمة لِتعلِّمهم أسلوبًا جديدًا في العيش والحبّ.


يُخبِرنا توما من شيلانو أنَّ فرنسيس قد أُعطِيَ، في ليلة الميلاد تلك، نعمة رؤيا رائعة. حيث رأى طفلاً صغيرًا يضَّجِع في مِذوَدٍ دون حِراك، واستيقظ من النوم عند اقتراب فرنسيس. ثمّ أضاف: “لم تكن هذه الرؤيا مُغايرة لِلوقائع إذ قام الطفل يسوع في قلوب كثيرين كانوا قد نَسوه، بِفضل نعمته التي تعمل من خلال خادمه القدّيس فرنسيس، وانطبعَ بِعمق في ذاكرتهم المُحِبّة” (الحياة الأولى، عدد 86، ص. 307).

يصف هذا الإطار بِدقّة كبيرة مدى ما نقله إيمان فرنسيس الحيّ ومحبّته لإنسانيّة المسيح إلى عيد الميلاد المسيحيّ: اكتشاف أنَّ الله يظهر في نعومة أعضاء الطفل يسوع. استطاع الشّعب المسيحيّ، بِفضل القدّيس فرنسيس، أن يفهم أنَّ في الميلاد أصبح الله فعلاً “عمّانوئيل”، الله معنا، ولا يفصلنا عنه أيّ حاجز وأيّ بُعد. في ذاك الطفل، أصبح الله قريبًا من كلّ واحدٍ منّا، قريبًا جدًّا لِدرجة أنّنا نستطيع مُخاطبته ببساطة وإقامة علاقة حميميّة وعاطفيّة جدًّا معه، كما نفعل مع مولود جديد.

فالله المحبّة يظهر في ذاك الطفل: الله يأتي من دون سلاح، دون قوّة، لأنّه لا يقصد أن يغزو من الخارج، بل أن يستقبله الإنسان بِحريّة؛ يجعل الله من نفسه طفلاً أعزلَ لِينتصرَ على التكبُّر والعنف ورغبة الامتلاك لدى الإنسان. اتّخذ الله في يسوع هذا الوضع الفقير والمُجرَّد لِيظفَر بنا بالمحبّة ويقودنا إلى هويّتنا الحقيقيّة.

لا يجب أن ننسى أنَّ الاسم الأعظم لِيسوع المسيح هو بالضبط “الابن”، ابن الله؛ هكذا يُشار إلى الكرامة الإلهيّة بِعبارة تُعيدنا إلى حالة مِذوَد بيت لحم المُتواضعة، رغم تطابقها بِشكلٍ فريد مع ألوهيّته، التي هي ألوهيّة “الابن”.


تدُلُّنا حالة الطفل يسوع إلى كيفيّة مُلاقاة الله والاستمتاع بِحضوره. يُمكننا على ضوء الميلاد أن نفهمَ كلمات يسوع: “إن لم تعودوا فَتصيروا مِثل الأطفال، لن تدخلوا ملكوتَ السّماوات” (متّى 18، 3).

مَن لم يفهم سرّ الميلاد، لم يفهم العنصر الحاسِم للوجود المسيحيّ. مَن لم يستقبل المسيح بِقلب طفل، لا يمكنه أن يدخل ملكوت السّماوات: هذا ما أراد القدّيس فرنسيس أن يُذكِّرَ به مسيحيّي زمانه وكلّ الأزمنة حتّى يومنا هذا.

لِنُصلِّ إلى الآب كي يمنح قلبنا تلك البساطة التي ترى الربّ في الطفل، مثلما فعلَ فرنسيس في غريتشو. قد يحدث لنا أيضًا ما رواه توما من شيلانو بِهذا الخصوص لِلحاضرين في غريتشو، بالعودة إلى ما اختبرهُ الرّعاة في الليلة المقدّسة ( لوقا 2، 20): “عاد كلّ واحدٍ منهم إلى بيته مُمتلئًا بِفرحٍ لا يوصَف” (الحياة الأولى، عدد 86، ص. 479).