البابا فرنسيس يتحدث إلى وفد هيئة الضرائب الإيطالية عن مبادئ الشرعية والحيادية والشفافية

موقع الفاتيكان نيوز

كانت رؤية الكتاب المقدس للضرائب ومبادئ الشرعية والحيادية والشفافية محور حديث البابا فرنسيس اليوم الاثنين خلال استقباله وفدا من هيئة الضرائب الإيطالية.

استقبل قداسة البابا فرنسيس ظهر اليوم الاثنين في القصر الرسولي وفدا من هيئة الضرائب الإيطالية. وعقب ترحيبه بضيوفه أشار الأب الأقدس إلى رغبته في أن يتقاسم معهم بعض تعاليم الإنجيل التي يمكنها أن تساعدهم في عملهم، وأضاف أنه سينطلق من المبادئ الموجِّهة لعملهم، ألا وهي الشرعية، الحيادية والشفافية.

وأراد البابا فرنسيس التذكير بأن الكتاب المقدس لا يخلو من إشارات إلى الضرائب، فهي جزء من الحياة اليومية منذ القِدم. وقد وضعت كل امبراطورية حكمت الأرض المقدسة، ووضع أيضا ملوك إسرائيل، نظما لتسديد الضرائب. فتحدث الأب الأقدس عن الضرائب التي كان يطالب بها الرومان في زمن يسوع والتي كان يجمعها الجباة مقابل رواتب كبيرة. ومن بين هؤلاء الجباة، تابع البابا فرنسيس، كان هناك زكا العشار في أريحا والذي زاره يسوع وجعله يرتد ما أثار تذمرا كبيرا. كان متى أيضا عشارا، وقد دعاه يسوع بينما كان جالسا في بيت الجباية، فتبعه متى على الفور ليصبح تلميذا ورسولا وإنجيليا. وذكَّر الأب الأقدس هنا بلوحة للرسام الشهير كارافاجو يصور فيها يسوع بينما يمد يده نحو متى ويناديه، ينظر إليه برحمة ويختاره. وواصل الأب الأقدس أن حياة متى لم تعد ذاتها مذ تلك اللحظة، فقد أنارها وأدفأها حضور المسيح. ثم أضاف أن متى ربما يكون قد واصل إدارة خيوره، وربما خيور الآخرين أيضا، ولكنه كان يفعل هذا بالتأكيد بمنطق مختلف، منطق خدمة المعوزين والتقاسم مع الأخوة والأخوات مثلما علَّمه المعلم.

ثم اشار البابا فرنسيس إلى أن الكتاب المقدس لا يدين المال ولكن يدعو إلى استخدامه بشكل صحيح، وألا نصبح عبيده، ألا نعبده. وتابع مشيرا إلى ما وصفها بممارسة معروفة بشكل قليل لكنها هامة ألا وهي تقديم الأعشار والذي كان عادة مشتركة لكثير من المجتمعات القديمة. وأضاف أن العهد القديم ومع احتفاظه بهذه الممارسة فإنه يمنحها معنى مختلفا، حيث كان دورها إنماء الوعي لدى الشعب بحقيقتين. الأولى هي أنه لا يمكنه الاعتماد على نفسه وذلك لأن الخلاص يأتي من الله، والثانية هي ضرورة المسؤولية أحد على الآخر بدءً ممن هم أكثر عوزا.

وهكذا بدأ البابا فرنسيس الحديث عن هذه المبادئ الثلاثة فتطرق أولا إلى الشرعية مشيرا إنه في أزمنة الكتاب المقدس كان يمكن لمن يقوم بجباية الضرائب أن يُعتبر عدوا يجب تفاديه، وإلى أن ثقافة الشك يمكن أن تمتد لتشمل المكلَّفين بفرض احترام القوانين، بينما هذا واجب أساسي لأن الشرعية هي حماية للجميع وضمان للمساواة، فهي تسمح بالحفاظ على مبدأ المساواة عندما يؤدي منطق المصلحة إلى لامساواة. وفي مجال الضرائب تشكل الشرعية طريقة لضمان توزان العلاقات الاجتماعية حيث تسلب الفساد والظلم والتبذير قوتها. وواصل قداسة البابا أن الضرائب هي علامة الشرعية والعدالة ويجب أن تسهِّل إعادة توزيع الثروة موفرة الحماية لكرامة الفقراء والأخيرين المعرضين دائما لخطر أن يدهسهم أصحاب السلطة. وأكد البابا أن الضرائب حين تكون عادلة فهي في خدمة الخير العام، كما وشدد على ضرورة العمل من أجل إنماء ثقافة الخير العام حيث يجب أن تكون الخيور العامة في خدمة الجميع، وهذا ما تؤكد عليه العقيدة الاجتماعية للكنيسة. وأراد قداسة البابا في هذا السياق تحفيز هيئة الضرائب على مواصلة دعمها للصحة العامة في إيطاليا لتفادي الاستسلام أمام نظام صحي خاص ليس للفقراء فيه أية حقوق.  

وفي حديثه عن المبدأ الثاني، الحيادية، قال الأب الأقدس لضيوفه إن عملهم يبدو كريها في أعين مجتمع يضع في المركز الملكية الخاصة ولا يُخضعها لأسلوب شركة أو تقاسم من أجل خير الجميع. وأراد قداسته التذكير بأنه وإلى جانب حالات التهرب من تسديد الضرائب ودفع المال بدون تسجيل والأعمال غير الشرعية، هناك نزاهة الكثير من الأشخاص الذين لا يهملون واجباتهم مسددين ضرائبهم مساهمين هكذا في الخير العام.

وتابع أن حيادية عمل هيئة الضرائب تؤكد أنه ما من مواطنين أفضل من غيرهم بفضل انتمائهم الاجتماعي، بل يُفترض الاعتراف بكون الجميع بناة أمناء للمجتمع. هناك حرفيو الخير العام والذين يجب تسليط الضوء عليهم وذلك لأن نزاهة الضمير هي الغنى الحقيقي للمجتمع. وذكَّر الأب الأقدس هنا بكلمات بولس الرسول إلى أهل روما: “أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّه: الضَّريبَةَ لِمَن لَه الضَّرِيبة، والخَراجَ لِمَن لَه الخَراج، والمَهابةَ لِمَن لَه المَهابَة، والإِكرامَ لِمَن لَه الإِكرام” (روما ١٣، ٧). وتابع قداسته أن هذا لا يعني منح الشرعية لأية سلطة بل مساعدة الجميع على عمل “الصالحات بمرأى من جميع الناس” (راجع روما ١٢، ١٧).  

ثم توقف البابا فرنسيس عند المبدأ الثالث، أي الشفافية، فقال إن قصة زكا العشار تروي لنا ارتداد شخص لا يعترف فقط بخطيئته، بل ويفهم في المقام الأول أن منطق تراكم الخيور قد عزله عن الآخرين، ولهذا يرد الخيور ويتقاسمها. لقد لمست قلبه محبة يسوع الذي أراد التوجه إلى بيته تحديدا، فيقرر زكا الإعلان عما سيفعل، أي أنه سيعطي الفقراء نصف أمواله، وإِذا كان قد ظلم أحدا شيئا فسيرده عليه أربعة أضعاف.

يمنح زكا هكذا، واصل الأب الأقدس، شفافية للمال الذي يمر عبر يديه. وأضاف قداسته أن الضرائب يُنظر إليها غالبا بشكل سلبي في حال عدم معرفة أين وكيف يتم إنفاق المال العام، وأكد أن من يدير خيور الجميع عليه مسؤولية كبيرة، الا وهي ألا يغتني. كما وشدد البابا على أن شفافية إدارة المال، الذي يأتي من تضحية الكثير من العاملين والعاملات، تكشف حرية النفس وتنشئ الأشخاص على الرغبة في تسديد الضرائب، خاصة حين يساهم جمع الضرائب في تخطي اللامساواة وفي استثمارات توفر المزيد من العمل، وحين يضمن صحة وتعليما جيدين للجميع، وتأسيس بنى تحتية تُسهِّل الحياة الاجتماعية والاقتصاد.

‫شاهد أيضًا‬

البابا فرنسيس: معًا فقط يمكننا أن نمضي قدمًا

وجّه البابا فرنسيس إلى المشاركين في مهرجان الإيمان الكاثوليكي في شتوتغارت- ألمانيا حتّى 29…