البطريرك الرّاعي: التّنوّع الثّقافيّ لا يهدّد وحدة الكنيسة

البطريركية المارونية

واصل البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، خلال التّنشئة المسيحيّة مساءً، نقل مضمون الفصل الثّالث من الإرشاد الرّسوليّ للبابا فرنسيس “فرح الإنجيل”، وعنوانه: “إعلان الإنجيل”، متوقّفًا عند موضوع “شعب الله متعدّد الوجوه”، فقال:

“لقد بيَّنَّا في ما سبق أنَّ شعب الله في العهد الجديد هو الكنيسة. إنَّه متجسّد في جميع الشّعوب بتعدّد وجوهها. “الوجوه” تعني هنا الثّقافات. لشعب الله ثقافةٌ أساسيَّة هي الثّقافة الإنجيليَّة المسيحيَّة. هذه الثّقافة تتجسَّد في مختلف ثقافات الأرض. نسمّي هذا التّجسّد “انثقافًا”. الثّقافة تساعد على فهم مختلف تعابير الحياة المسيحيَّة. من خلال نهج الحياة المسيحيَّة يقيم المسيحيّون علاقتهم فيما بينهم، ومع الآخرين ومع الله.

كلّ شعب يُعنى بتطوير ثقافته على مجرى تاريخه باستقلاليَّة شرعيَّة. ذلك أنَّ الشّخص البشريّ يشعر، بحكم طبيعته، بالحاجة إلى الحياة في مجتمع، إذ يجد بذلك سبيلاً للارتباط بالواقع. يجد الشّخص البشريّ دائمًا موقعه في الثّقافة. “الطّبيعة والثّقافة مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا” (الكنيسة في عالم اليوم، 53). النّعمةُ تفترض الثّقافة، وموهبةُ الله تتجسّد في الّذين يتقبّلونها (الفقرة 115).

خلال الألفي سنة الأولى من حياة المسيحيَّة، شعوبٌ لا تحصى تقبَّلت نعمة الإيمان، الّذي أزهرَ في حياتهم اليوميَّة. عندما تتقبَّل جماعةٌ نداء الخلاص، يُغني الرّوح القدس ثقافتها بقوّة الإنجيل الّتي تُبدِّل. فيما الكنيسة تبقى أمينةً لذاتها ولإعلان الإنجيل والارتباط بتقليدها، فإنّها تعكس أيضًا الوجوه المتنوّعة للثّقافات والشّعوب الّذين قبلوها، والّذين فيهم تجذَّرت (يوحنّا بولس الثّاني: بداية الألفيّة الجديدة، 40). وبهذا تعبِّر الكنيسة عن “كاثوليكيَّتها” الأصيلة، وتعكس جمال وجهها المتنوّع.

من خلال الانثقاف، تُدخِل الكنيسة الشّعوب، مع ثقافاتهم، في جماعتها الخاصَّة. ذلك أنَّ كلَّ ثقافةٍ تقدِّم قيمًا وصيغًا إيجابيَّة، بإمكانها إغناء طريقة إعلان الإنجيل وفهمه وعيشه. وهكذا تتَّخذ الكنيسة قيم الثّقافات على تنوّعها، وتصبح مثل “عروس مزيَّنة لعريسها” (أشعيا 10:61).

التّنوّع الثّقافيّ لا يهدّد وحدة الكنيسة. الرّوح القدس سيبدّل قلوبنا، ويؤهّلنا لندخل في شركة كاملة مع الثّالوث الأقدس، حيث تجد كلُّ الأشياء وحدتها. إنّه يبني شركة شعب الله وتناغمه. فالرّوح القدس هو إيّاه التّناغم، تمامًا كما هو رباط الحبّ بين الآب والابن. هو الّذي يخلق تنوّعًا غنيًّا من المواهب، ويحقّق في الوقت عينه وحدةً ليست أبدًا تماثلاً (uniformity)، بل متعدّدة الوجوه، ويدعو إلى التّناغم.

إنَّنا لا ننصف منطق التّجسّد، عندما نفكّر بمسيحيَّة وحيدة الثّقافة وأحاديَّة الوتر. من طبيعة الرّسالة المسيحيّة أن لا تتماثل مع أيٍّ من الثّقافات، بل أن يكون مضمونها عابرًا للثّقافات. عندما نبشّر بالإنجيل ثقافات جديدة أو ثقافات لم تتقبّل بعد البشارة المسيحيَّة، ليس من الضّروريّ فرض شكلِ ثقافيّ خاصّ، مهما كان جميلاً وقديمًا، مع إعلان الإنجيل، تجنّبًا لكلّ مظهر تباهي أو غرور وتعصّب أكثر منه حرارة تبشيريَّة بالإنجيل أصيلة (الفقرة 117).

يُطلب، عند الكرازة بالإنجيل في قارّات أخرى غير أوروبا وسواها، إفهامُ حقيقة الإنجيل، وتقديمُها مستوحيةً “تقالد المنطقة وثقافاتها”؛ مع الطّلب من المرسَلين “أن يعملوا بانسجام مع المسيحيّين الأصليّين بحيث يتمّ التّعبير عن إيمان الكنيسة وحياتها في صيغ متناسبة مع كلّ ثقافة. لا نستطيع الطّلب من شعوب كلّ قارّة أن يقلّدوا، في التّعبير عن إيماهم المسيحيّ، طرق البلدان الأوروبيَّة الّتي تبنّتها في وقتٍ معيَّن من تاريخها، لأنّ الإيمان لا يمكن أن يُغلق عليه في حدود مفهوم ثقافة خاصَّة والتّعبير عنها. من المسلَّم به أنَّ ثقافة واحدة لا تستنفد سرّ المسيح للفداء.”