البطريرك ساكو: الإيمان بقيامة المسيح هو أساسُ العلاقة والشّركة بين المؤمن وبين المسيح المُمجَّد…

موقع البطريركيّة الكلدانيّة

نشر موقع البطريركيّة الكلدانيّة الحلقة الثّانية من “الرّوحانيّة المسيحيّة” لبطريرك بابل للكلدان مار لويس روفائيل ساكو، كتب فيها:

“ترتكز الرّوحانيّة المسيحيّة على حَدَثِ قيامة المسيح، واختبار نور قيامته، مُصَوِّبةً النّظر نحوه (المسيح القائم). هذا هو اليقين المُطَمئِن للمسيحيّ. تقول الرّسالة الأولى إلى قورنثية بوضوح: “إذا كان المسيح لَم يَقُم من بين الأموات، فإيمانُنا باطل” (1قورنثية 13/15). هذا الإيمان بقيامة المسيح هو أساسُ العلاقة والشّركة بين المؤمن وبين المسيح  المُمجَّد “أنتم فيّ وأنا فيكم” (يوحنّا 14/ 20). هذه رؤية وجدانيّة تنبع من داخل قلبِ الإنسان. يَشرق الله في قلوبنا لكي نستنير بمجد قيامة المسيح، من خلال تصويب نظرنا على وجهه. كلُّ شيء يتمّ من خلال الاتّصال بسرّ المسيح المنبعث من بين الأموات. فيه نكتشف تجلّيات الله في حياتنا بإيمان وشوق. لهذا السّبب الجوهريّ، جعلت كنيسة المشرق الصّليبَ في كنائسها صليبًا مُمَجَّدًا، أيّ خاليًا من جسد المصلوب. إنّه بالنّسبة لهم بمثابة القبر الفارغ، والبوصلة الّتي تُشير إلى قيامته وهي عربون قيامتنا إن سرنا على نهجِه.

لاهوتُنا المشرقيُّ يُعِّبر عن نظرةٍ لاهوتيّةٍ وبُعدٍ “اسكاتولوجيّ” ينطلق من لاهوتِ القيامة والحياة والتّجدّد الّذي هو شعار ليتورجيّتنا. لاهوتٌ خلاصيٌّ يُركِّز على النّعمة والبركة والفرح، أكثر من التّركيز على الصّلب والألم. فالصّليبُ الفارغ يُذكِّر المؤمن كلَّما دخل إلى الكنيسة بأنّ قيامة المسيح هي عربون قيامته. هذه تعزية عظيمة ترسّخ ثقته ورجاءَه.

يقول يسوع في خطاب الوداع: “لن أَدَعَكم يَتامى، فإِنِّي أَرجعُ إِلَيكم. بَعدَ قَليلٍ لَن يَراني العالَم. أَمَّا أَنتُم فسَتَرونَني” (يوحنّا 14/ 18-19). بمعنى آخر يقول: إنّي آتي إليكم عند قيامتي. آتي إليكم بروحي القدّوس: “الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء، ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم” (يوحنّا 14/ 26). الرّوح القدس هو سيواصل علاقتنا به ويعمّق معرفتنا” ونَزدادُ مَجدًا على مَجد، وهذا مِن فَضلِ الرَّبِّ الَّذي هو روح” (2 قورنثية 3/ 18).

من هم هؤلاء الّذين سيَرونه وسيَحيون فيه؟ إنّهم الّذين حياتهم هي المسيح، يعرفون وصاياه، ويحفظونها في عقولهم وقلوبهم.

يقول أفراهاط الحكيم: “نُسبِّحك يا مُتَجَلبِبًا بالمجد، ونَشكرك يا من لا تحتاج إلى ذلك. صوَّرناك في قلوبنا، وعبّرنا عن شِبهِك في ضمائرنا. جعلتنا هياكل يسكن فيها وقارك” (المقالة 23 /59). ونرساي: “كرَّمَنا في البداية والنّهاية فوق كلِّ ما كان، حين دعانا صورته، وجعلنا مسكن لاهوته” (المقالة 3 /490).

يُميِّز يوحنّا الدّلياتي بين الطّبيعة الإلهيّة والمجد الإلهيّ. “الله في ذاته (الآب) والله في توجّهه نحو البشر هو يسوع المسيح” (الرّسالة 1/ 24).

يُشدّد جميع الآباء على عدم إمكانيّة مشاهدة الله خارج يسوع المسيح. كلّ شيء يتمّ فيه وليس خارجًا عنه، أو في غيره. المسيح هو المركز “كلاًّ في الكلّ Christocentrism”. “هو الَّذي أَشرَقَ في قُلوبِنا لِيَشُعَّ نورُ مَعرِفَةِ مَجدِ اللّه، ذلِكَ المَجدِ الَّذي على وَجهِ المسيح” (2 قورنثية 4/ 6).

يشرح نرساي هذه العلاقة قائلاً: “هو الهيكل الّذي سنعبد فيه الطّبيعة الإلهيّة غير المحدودة، وكأنّنا في باب الهيكل لأنّ المسيح سيكون مثل الصّورة تستطيع حواسنا الخارجيّة مشاهدتها، وسيتحقّق الفكر من وجود الجوهر الإلهيّ الّذي سيبقى غير منظور” (الميامر طبعة منكنا 236).

يقول يوحنّا الدّلياتي: “مشاهدة المسيح المُمجَّد تكون في داخل قلب الإنسان… لقد أشرقت في قلوبنا فاستنارت هذه بمجد الله” (الرّسالة 4/7). ونرساي يتكلّم عن عين الوجدان: “بعين الوجدان (ܪܥܝܢܐ) الخفيّة يجد الرّحمة في بيت الدّين” (المقالة 3 /490).

يتكلّم مار أفرام عن الارتقاء: “يرتقي الأجساد طبقات النّفوس، والنّفس طبقةَ الفكر. ويرتقي الفكر ذُروةَ الجلالة، وهو يقتربُ بخشيةٍ ومحبّةٍ، ولا يُغريه الارتقاء ولا يبعده الانفصال”.

يذهب كتاب المراقي (القرن الرّابع) إلى أبعد من هذا عندما يتكلّم عن رؤية الرّوحانيّين مجد المسيح اعتبارًا من هذه الحياة: “يَنظرون إلى ربِّنا في هذا العالم، بالرّوح كما في مرآة. وعندما يموتون عن أجسادهم يُشاهدونَه وجهًا لوجه، كما من مجدٍ إلى مجد” (العِظة 2/5).

يتدرّج هذا الارتقاء عند نرساي من المعموديّة إلى خبرة الإفخارستيّا “ولادته جديدة… فتُدرّجه مثل ولد إلى الحياة الآتية. أمٌّ روحيَّة هيّأت لحياِته حليب الرّوح، وبدل الثّديَين وضع في فمه الجسد والدّمّ” (ميامر ليتورجيّة الميمر 3/215-220). يؤكّد ثيودورس المصيصي (+428) أنّ هذا التّدرّج إلى الخلود– المجد يتمّ عبر خبرة الإفخارستيّا الّتي تُغذّي الولادة الجديدة الّتي تمّت بالمعموديّة.

سرُّ قيامة المسيح حاضرٌ في الحياة المسيحيَّة من خلال الإفخارستيّا: “بعد أن قبلتم الولادة الحقيقيّة بالقيامة، تأخذون طعامًا آخر يَعجز عنه الكلام. وتتّغذون من نعمة الرّوح القدس الّتي بها تظلّون خالدين في أجسادكم وثابتين في نفوسكم. هذا هو الطّعام الّذي يوافق هذه الولادة. أخذ القربان والمشاركة في الأسرار، يوفّر لنا القيامة والتّنعّم بالخلود” (الموعظة 15/2-3).

ويشرح ثيودورس دور الرّوح القدس في هذا التّحوّل: “هذا يحصل عليه بطبيعة الرّوح المحيي، الّذي به ينتقل إلى هذه الحالة وهي أن يصير خالدًا، وأن يهب الخلود للآخرين أيضًا” (الموعظة 15/11). ونرساي: “فالسّرّ يرمز إلى ما كانَ وإلى ما سيكونُ” (شرح الأسرار/25). ويصلّي ليوسف حزايا من أجل هذا الارتقاء– الاندماج : “والآن عندما يأتي روحك من السّماء ويحلّ على هذه الأسرار ليتني أرتقي بالرّوح من الأرض إلى السّماء في هذا الوقت. وعندما تمتزج قوّتك بالخبز ليت حياتي تمتزج بحياتك روحيًّا في هذا الوقت. وعندما تتحوّل الخمر إلى دمك، ليت أفكاري تثمل باندماجها في محبّتك”.

يلخّص الأب ميشيل الحايك اللّبنانيّ هذه الرّوحانيّة المشرقيّة بقوله: “تحيي الكنيسة الآراميّة (السّريانيّة) الانحناء على قبر المسيح والانغماس معه في غبشة (فجر) السّبت المقدّس… إنّها مكرّسة للسّهر الغَسَقي مع الرّجاء بمجدٍ لا يزال موعودًا”.

مراحل التّقدم الرّوحيّ نحو القيامة

يقدّم العديد من الآباء أدوات عمليّة للتّقدّم نحو القيامة. نذكر منهم على سبيل المثال يوحنّا الأفاميّ ويوسف حزايا وإسحق النّينويّ وشمعون ده طيبوثا، ويسمّونها بتسميات مختلفة: طقس، درجة، سيرة، قياس، مذبح ܛܟܣܐ، ܕܪܓܐ، ܕܘܒܪܐ، ܡܫܘܚܬܐ، ܡܕܒܚܐ ثلاث مراحل هي للتّطهير والتّقديس والاتّحاد، من خلالها يتمكّن الرّوحانيّ من بلوغ ذروة الاتّحاد بالله، والتّحرّر الكامل من العالم الحسّيّ. هؤلاء الآباء متأثّرون بنهج مقاريوس المنحول وأفاغريوس البنطيّ.

المرحلة الأولى هي المرحلة الجسديّة ܦܓܪܢܝܬܐ. ينصَّب فيها عمل الرّوحانيّ في تهذيب الذّات، للسّيطرة على الميول الرّديئة والأفكار الخبيثة (فوضى الغرائز)، أيّ إماتة الغرائز mortification، كما كان يُعلّم في المعاهد الرّهبانيّة والكهنوتيّة سابقًا، والعمل اليدويّ، وتجنّب الخطيئة، وممارسة الصّوم والسّهر والصّلاة. هذه مرحلة تنقية الذّات.

المرحلة النّفسيّة ܢܦܫܢܝܬܐ. ممارسة الفضائل وأعمال التّوبة، وانكسار القلب، والزّهد وحفظ الوصايا.

المرحلة الرّوحيّة ܪܘܚܢܝܬܐ. بعد مرحلة التّنقية وممارسة الفضائل وحفظ الوصايا، يصل الرّوحانيّ إلى مرحلة الحبّ الّذي يشرق في قلبه، وإلى الشّفافيّة (ܫܦܝܘܬܐ) الّتي تُتيح له أن يرى بعين القلب والفكر تجلّيات أسرار الله. مرحلة هي عربون القيامة على رجاء الملء في الحياة العتيدة.

هذه المراحل الثّلاث يُسمّيها يوسف حزايا (القرن الثّامن) ܡܘܫܚܬܐ قياسات أو محطّات ويؤسّس خلاصة synthesis لاهوتيّة وروحانيّة متبلورة. بينما شمعون ده طيبوثيه (القرن السّابع) يسمّيها ثلاث مذابح. ويرى ثلاثة أنواع من المعرفة: المعرفة الطّبيعيّة الحسّيّة والمعرفة العلميّة والمعرفة الإلهيّة أو المشاهدة الرّوحيّة.

هكذا يغدو الرّوحانيّ أيقونة تشير إلى الله من خلال مرحلة التّطهير والتّقديس والاتّحاد بصلاته ورؤيته الرّوحيّة.”

من صلاة لمار افرام: “اللهمّ إننا نلقاك كل يوم في أسرارك، ونستقبلك في جسدنا. إجعلنا أهلاً لأن نختبر في نفوسنا القيامة التي نرجوها”.