‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

الراعي من بكركي: بالمعمودية اصبحنا “خلقًا جديدًا”، لابسين المسيح بحسب تعبير القديس بولس الرسول

البطريركية المارونية

عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرّاعي

عيد الغطاس او الدنحبكركي، الأربعاء

6 كانون الثاني 2021

” لما اعتمد الشعب كله، اعتمد يسوع ايضًا ” (لو 3 : 21)

1. تحتفل الكنيسة اليوم بعيد معمودية يسوع على يد يوحنا المعمدان، وبتذكار معموديتنا. ونقيم رتبة تبريك الماء لاتخاذه بركة الى بيوتنا لكي يمنحنا الرب النعم التي نحتاجها في حياتنا. بعيد الغطاس او الدنح نختتم الأعياد الميلادية، فيسعدني ان اجدّد التهاني والتمنيات لكم، ايها الحاضرون معنا في كنيسة الكرسي البطريركي، وكل الذين يشاركوننا عبر محطة تيلي لوميار – نورسات و Charity TV والفيسبوك. وارحّب بيننا بمكتب راعوية الزواج والعائلة في الدائرة البطريركية.

2. يحمل العيد اسمين: الغطاس ويعني النزول في الماء للاغتسال بماء المعمودية. والدنح وهو لفظة سريانية تعني الظهور الالهي. فلما اعتمد يسوع على يد يوحنا، “ظهر” سرّ الله الواحد والثالوث: الآب بالصوت، والابن بشخص يسوع المسيح، والروح القدس الذي حلّ عليه بشبه طير حمامة.

3. كانت معمودية يوحنا بالماء للتوبة اقرارًا داخليًا بالخطايا وعزمًا على الخروج من حالتها. النزول في الماء يعني الموت عن الخطايا واغراقها واتلافها، والخروج من الماء يعني ولادة لحياة جديدة. معمودية يوحنا كانت مجرّد رمز للتوبة، لكنها كانت علامة سابقة لسرّ المعمودية الذي اسّسه الرب يسوع بسرّ موته فداء عن خطايا البشرية جمعاء، وقيامته لاعطاء الحياة الالهية الجديدة لبني البشر وللعالم. تذكارًا للمياه التي قدّسها الرب يسوع لنا بنزوله في ماء الأردن، وتذكارًا لمعوديتنا التي تُتم فينا الولادة الثانية من الماء والروح، نقيم رتبة تبريك الماء ليؤخذ بركة الى البيوت، يشرب منها المرضى للشفاء الجسدي والروحي، وتُرش على امتعة المنازل لفيض البركة الالهية عليها، قائلين: “دايم دايم”.

4. بالمعمودية اصبحنا “خلقًا جديدًا”، لابسين المسيح بحسب تعبير القديس بولس الرسول، فتأتي اقوالنا وافعالنا ومواقفنا على مثال يسوع المسيح، وانعكاسًا لوجهه وشخصيته. واصبحنا مسكن الله، مظللين بمحبة الآب، ومخلّصين بنعمة الابن، ومقدّسين بحلول الروح القدس.

5. هذا العيد يدعو الجميع الى التجدد الشخصي الداخلي، الى غسل القلوب واعادة النظر في نمط حياتنا وتصرفاتنا، خصوصًا ونحن نعيش بلايا جائحة كورونا التي حجّمت جميع الناس، وكبّلت الكرة الأرضية وشلّت كل حركة، وخلّفت وما زالت، كوارث اقتصادية ومالية ومعيشية واجتماعية، واكثر من كل ذلك، ضحايا بشرية كل يوم.

6. واني على ضوء هذا العيد ومقتضياته، ونداءاته الى التوبة والى التجدد، والى تغيير مجرى حياتنا ونمطها، اوجّه ثلاثة نداءات:النداء الأول، الى فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة المكلّف، طالبًا منهما لقاء وجدانيًا، لقاء مصالحة شخصية، لقاءً مسؤولًا عن انتشال البلاد من قعر الانهيار، بتشكيل حكومة انقاذ بعيدة ومحرّرة من التجاذبات السياسية والحزبية، ومن المحاصصات. واطلب من جميع القوى السياسية المعنية، تسهيل هذا التشكيل. فالسياسة فنٌ شريف للبناء.النداء الثاني، الى المستشفيات الخاصة، طالبًا إعداد ما يلزم من غرف واجنحة لاستقبال اخوتنا واخواتنا المصابين بوباء كورونا. فانهم بذلك يحدّون من انتشار هذا الوباء القتال، ويساهمون في حماية المجتمع. اني اتفّهم معاناة المستشفيات المالية وتلكوء الدولة عن دفع مستحقاتها، ولكني مع القيّمين عليها نتكّل على العناية الالهية التي تعرف كيف تعوّض، وكيف تفتح باب الخير بوجه المضحّين في سبيل الاخوة والاخوات لمساعدتهم.فمن المؤلم حقًا ان يكون مجموع اسرّة العناية الفائقة المخصصة لمرضى كورونا هو فقط ثلاثة وسبعون، بينما عدد المستشفيات الخاصة سبعة وستون، فلا بدّ من ان تتعاون هذه المستشفيات في تغطية المصابين المتواجدين في مناطقها، اقضيةً ومحافظات.وفي المناسبة اجدّد النداء مع وزارتي الصحة والداخلية الى المواطنين للتقيّد بالتوجيهات المعطاة، حمايةً لذواتهم ولغيرهم.النداء الثالث، الى المصارف، من اجل تطبيق قانون “دولار الطالب”، بحيث يتمكن اهالي الطلاب من تحويل المال لهم، وهم يتابعون دروسهم العليا في الخارح. فمن حق هؤلاء الطلاب ان يعيشوا بكرامة من مال اهلهم المودع في المصارف، من اجل تسديد اقساطهم الجامعية، وتأمين اكلهم وشربهم وسكنهم.

7. يا رب، اليك نكل حياتنا. وهذه النداءات الثلاثة راجين ان تقع في قلوب الموجّهة اليهم. جدّدنا بنعمة معموديتك لنكون خلقًا جديدًا يعكس وجهك القدوس. لك المجد والشكر والتسبيح، ايها الآب والابن والروح القدس الآن والى الأبد، آمين.

8. في هذه الليتورجيا الالهية نحتفل بذكرى تأسيس سري القربان والكهنوت. فالرب يسوع في عشائه الفصحي الأخير بحسب عادة العهد القديم، ليلة آلامه وموته، أسس سرّ القربان، اذ اخذ الخبز وباركه وشكر وقال: “خذوا كلوا منه كلكم هذا هو جسدي يُبذل من أجلكم ومن أجل الكثيرين لمغفرة الخطايا”.وأخذ كأس الخمر وبارك وشكر وقال :” خذوا اشربوا منه كلكم، هذا هو دمي للعهد الجديد، الذي يراق عنكم وعن الكثيرين لمغفرة الخطايا”.وأسس سرّ الكهنوت بشخص تلاميذه قائلاً “اصنعوا هذا لذكري حتى مجيئي”.انه بذلك وهب الكنيسة جسده ودمه ذبيحة فداء ووليمته لحياة العالم. وسلّمها بالكهنوت خدمة محبته العظمى هذه…

9. وأشار الى ان خدمة محبته تقتضي من الكهنة التفاني والبذل على مثاله. واعطى علامة لذلك اذ قام عن العشاء وغسل ارجل التلاميذ، كهنة العهد الجديد، علامة لغسل قلوبهم بنعمة محبته والفداء.اننا نهنّىء الشعب المسيحي بهبة سرّ القربان وبحضور الرب يسوع الدائم ذبيحة تفتدي ووليمة تُحيي في كل قداس يقيمه كاهن الآن وهنا. ونهنّىء الأساقفة والكهنة بعيد ميلادهم الكهنوتي.وفي هذا اليوم المعروف بخميس الأسرار يحتفل البطريرك بتبريك الميرون وزيوت المعمودية ومسحة المرضى. وبما ان الميرون هو علامة وحدة الكنيسة اذ يحتفل بتبريكه البطريرك مع الأساقفة والكهنة والمؤمنين. وهذا اصبح من الصعب بسبب الانتشار، تمّ الاتفاق على تبريكه اثناء انعقاد سينودوس الأساقفة المقدس. واليوم يبارك البطريرك مع مطارنة الكرسي البطريركي والأسرة البطريركية زيوت العماد ومسحة المرضى.

10. وجرت العادة في هذه الليلة ان يُعرض القربان المقدس في الكنائس وان يزوره المؤمنون للعبادة في 7 كنائس، تذكارًا للأسرار السبعة. اما الأساس، بحسب التقليد فهو ان السيدة العذراء بحثت عن يسوع بعد ان علمت باعتقاله، في سبعة اماكن ابتداءً من مكان اعتقاله، مرورًا بمجلس الكهنة، ودار بيلاطس وهيرودوس فبيلاطس من جديد، وصولاً الى الجلجلة.