أكتوبر 23, 2020

العذراء أمرت وماري ألفونسين أطاعت

نورسات - ريتا كرم

وسط النّور ظهرت مريم العذراء بجمال يفوق الطّبيعة، تبسط يديها ويحيط بها لون أبيض يلمع ويتعذّر وصف جماله، وعلى صدرها صليب تتدلّى منه سبحة دائريّة تمرّ من وسط يديها المبسوطتين وتنزل حتّى تكاد تصل إلى أطراف ثوبها.


أمّا الحبّات الفاصلة بين أبيات المسبحة فتلمع كالنّجوم المتلألئة في ليالي الصّيف الجميلة، وفي وسط كلّ منها تمثّل لها مشهد رائع من المشاهد الإنجيليّة الّتي ترمز إليها الأسرار. على هامة العذراء، تلألأ تاج مرصّع بخمس عشرة نجمة، وتحت قدميها سبعة كواكب غائصة في الغمام. هكذا تراءت العذراء للرّاهبة ماري ألفونسين، للمرّة الأولى، في صباح عيد الغطاس من العام 1874، مطلقة شرارة إيمان كبيرة في نفسها منبئة بولادة مشروع مقدّس ببركة مريميّة.

بعد عام، رأت إبنة القدس، الّتي انضمّت إلى دير القدّيس يوسف للظّهور، العذراء يحيط بها من الجهتين صفّان من البنات، يماثلن العذراء بالهيئة والثّياب. وفي وسط النّور عبارة “بتولات الورديّة- رهبانيّة الورديّة”. وسمعت صوتًا يهمس: “أريد أن تبدأي رهبانيّة العذراء”، سكن قلب الرّاهبة خوف غير أنّ مريم بحنانها قوّتها وملأتها سرورًا، وراحت تكشف لها علامات جديدة ترشدها إلى الهدف: “أنا أمّك أعينك وأساعدك”، تاركة في عنقها مسبحة الورديّة الّتي كانت تحملها.

قادت مريم خطى ماري ألفونسين إلى البطريرك منصور براكو ليساعدها فأوصاها بتلاوة الورديّة مرسلاً إيّاها إلى أب اليتامى الأب أنطون بللوني، فطلب منها أن تقدّم تساعيّة صلاة لتكتشف مقاصد العذراء؛ وهكذا فعلت وفي اليوم التّاسع تراءت لها أمّ الله ثلاث مرّات:

في الأولى، رأتها محاطة بجمهور غفير من العذارى بثياب رهبانيّة بيضاء وزرقاء، وسألتها: “متى تبدأين تأسيس رهبانيّة الورديّة؟ تشجّعي وتمّمي أمنيتي، أما فهمتِ؟ إنّني أريد رهبانيّة الورديّة، رهبانيّة الورديّة، فلسوف تزيل من الأرض كلّ شرّ وبلية”.

في الثّانية، اصطفّت حولها راهبات الورديّة المستقبليّات، يتدلّى من كتفها وشاح جميل، معتلية صخرة شامخة مباركة الرّاهبات قائلة: “إنّني أثبّتكنّ باسم أفراحي وأحزاني وأمجادي” ثمّ غابت.

وفي الثّالثة، رأت مريم والطّفل يسوع ودخل ثلاثتهم مكانًا يشبه الجنّة، حيث شاهدت القدّيس يوسف، فهرعت إليه تشكو همّها وتسأل: “كيف أعمل لأبدأ تأسيس رهبانيّة الورديّة وأنا في رهبانيّة القدّيس يوسف؟” فأجابها: “أريد أن تتمّمي بفرح ما أنت مدعوّة إليه”، وأضاف مشيرًا إلى العائلة المقدّسة: “إنّنا قد فرحنا وحزنّا وتمجّدنا معًا، وأريد أن تخرج من رهبانيّتي رهبانيّة الورديّة.”

امتلأت الرّاهبة ثقة وفرحًا وهمّت إلى تنفيذ مشروع مريم، غير أنّ عقبات صادفتها فعوقبت لسنة كاملة، إلى أن حلّ عيد الورديّة المقدّسة، فسمحت لها العذراء أن ترى شكل الدّير الّذي تريده لبناتها: “دير مستدير على شكل مسبحة، وعلى سطحه تقف سيّدة الورديّة، وتحيط بالدّير خمس عشرة نافذة، على كلّ منها تقف راهبة من راهبات الورديّة، وعلى هامة كلّ منهنّ اسمها واسم سرّ من أسرار الورديّة… ورأت نفسها في النّافذة العاشرة تحمل اسم مريم للصّليب”. بعدها رافقت مريم ماري ألفونسين إلى داخل الدّير الّذي لن يبدأ بناؤه قبل 15 سنة وأطلعتها على نظامه وروحانيّته القائمة على الطّاعة والفقر والعفّة وتلاوة الورديّة ليلاً نهارًا مناوبة أمام هيكلها، والصّوم يومي الأربعاء والسّبت إكرامًا للورديّة.

ومذّاك، تحوّل الحلم شيئًا فشيئًا إلى حقيقة: دخلت حنّة، أخت ماري ألفونسين، الحياة الرّهبانيّة لتساعدها، عيّنت العذراء الأب يوسف طنّوس مرشدًا لها اختارته من الشّرق أيضًا، وأشارت إليه بعلامات سبع من دون ذكر اسمه وعلى رأسه إكليل مرصّع بالنّجوم، فكان اختيارها لمشرقيّين إذ “من بين الشّوك، يخرج الورد، وإنّني في هذه البلاد فرحت حزنت وتمجّدت، فمنكم وبكم أظهر قوّتي”.

وهكذا تمّ: تعاونا معًا، دوّنت بطلب من مرشدها كلّ ما سمعته من العذراء، وأسّست الرّهبنة- رويدًا رويدًا- ببركة الكنيسة، إذ بدأ عددهنّ بخمسة واكتملن مع ماري ألفونسين وبتن عشرة، وبات للورديّة رهبنة مؤسّستها العذراء نفسها، منفّذتها الأخت ماري ألفونسين، ومقرّها القدس.

ما اكتشف أحد السّرّ إلّا بعد وفاتها يوم عيد البشارة عام 1927، حين فتحت أختها الأم الرّئيسة حنّة دفترين كُتبا بخطّ يد الرّاحلة تنفيذًا لوصيّتها، تشرح فيهما تفاصيل الظّهورات فانكشف السّرّ إلى العلن: رهبنة الورديّة المقدّسة انبثقت من الشّرق وانتشرت في كلّ العالم.