المتروبوليت باسيليوس منصور: تنصير عادات الشعوب

المتروبوليت باسيليوس منصور - مطران عكار وتوابعها

كلمة الراعي
(تنصير عادات الشعوب)

الإخوة والأبناء الأحباء،
في خدماتنا الرعائية كثيراً ما نتعرّض لأسئلة حول طقوسنا وعاداتنا، ودلالات بعض الآيات في الكتاب المقدَّس، ويتهمون الكنيسة أنها أخذت عن الشعوب عاداتهم وتقاليدهم الدينية والمجتمعيّة، وتعاملت المسيحيّة معها على أنها ذات أصول مسيحيّة أو جاءت مع الإيمان المسيحي.

بكل تأكيد بالنسبة لنا العبادة المسيحيّة الأرثوذكسيّة هي وضع قوالب لما قاله بولص الرسول: “لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيَّ”. أو ما عبّر عنه القديس نيقولاوس كباسيلاس: “كيف أحيا مع المسيح”. وبكل تأكيد بالأسرار المقدّسة بدءاً بالعمادة، وانتهاءً بصلاة الدفن (بعد عمر طويل للجميع). فمنذ اليومين الأولين لولادة الأطفال في العائلات المسيحيّة يُدعى الكاهن لأداء صلاة شكر، وتمجيد، وتضرُّع لله للحفاظ على الوالدة والطفل، ومن معهم في البيت محفوظين من كل مضرّة ظاهرة، وغير ظاهرة، ثمَّ إدخال الطفل والوالدة الى الكنيسة. والكنيسة عموماً غير مسؤولة عما يتخلّل هذه العبادة من تصرفات خاطئة وعنصرية، واحتجاجات واهية.

من العادات المأخوذة عن الشعوب الوثنية، والأمّة اليهودية. عادة تقديم البخور، وكلنا نعرف أن البخور مادة ذات رائحة عطرة تختلف قوة الرائحة الذكية بحسب الأنواع والمصادر. واعتادت الأمم تقديم البخور للملوك في الاحتفالات، ويتم تقديمه للآلهة تعبيراً عن احترام الشعوب لمقدساتها ورموزها السامية، فهل إستعمال هذه المادة الطبيعية من قبل الكنيسة يعتبر إدخالاً لعادات وثنية، بكل تأكيد (لا)، لأن الكتاب المقدّس يأمر بتقديم البخور على المذبح وللرب.

والفرق هو في نوعية تقدمة البخور كما حدث بين هارون أخي موسى، وأبني أخيه اللذَيْن تطاولا على الخدمة الكهنوتية، وأن يقدّما بخوراً لم يطلبه الله. إننا نستعمل البخور في عباداتنا تعبيراً عن محبتنا لله، وتكريمنا له على قدر الإستطاعة. حتى أن الآباء في الأديار يحاولون أن لا يقدّموا البخور الطبيعي بل وينوِّعون من الروائح الكثيرة والقويّة، وعلى اختلاف العطور. فرائحة البخور الذكيّة تحث النفس على العبادة، وتُذَكِّر الإنسان أن يرتقي كما يرتقي هذا البخور أمام الله. فهل يعقل أن يقوم أتباع الآلهة الإفتراضية بتقديم شتى أنواع الإكرام لها، ونحن لا نحاول أن نقدم أقصى ما نستطيع من الأفضل لله الذي لا نستطيع أن نحبّه كما أحبّنا، ولا نقدّم له كما قدَّم لنا.

أكثر ما يأتينا الإحتجاج على صلاة الأربعين، وغيرها المقدمة لأجل راحة الأموات. على أساس أن الأربعين يوماً تدلُّ على فترة تحنيط المصريين لموتاهم.

الفرق كبير بين فترة تحنيط المصريين لموتاهم، وصلوات الكنيسة لأجل الراقدين. كان المصريون يحنطون الموتى لحفظ أجسادهم ليوم يقوم الناس مستقبلاً.

أما في الكنيسة فنؤمن أن الموت هو ولادة ثانية للإنسان في ملكوت السموات. فكما يأتي الكاهن للصلاة الإبتهالية لأجل المولود ووالدته.

تصلي الجماعة في اليوم الثالث لأجل المتوفّي، ثمَّ في اليوم الثامن. إذ تُعطى للمواليد أسماءها في اليوم الثامن، وببركة الكاهن. والأربعين والأشهر الثلاثة، ثمّ، وهكذا باستمرار تضرعاً من المؤمنين لأجل الراقدين طلباً لمغفرة خطاياهم التي من الممكن أن يكونوا قد اقترفوها في حياتهم على الأرض. لا نضع للموتى مواداً حافظة كما التحنيط، بل نسأل الله أن يحفظهم في الفردوس، وأن يكتبهم في سفر الحياة (طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها).

إذاً الكنيسة تُعِد الراقد لاستقبال الحياة الأبديّة. كما تنتظر رؤية علامات القداسة على جسده. أي يحفظ الجسد بنعمة الله، وليس بمواد حافظة. ويحافظ على جسد المؤمن بعد الوفاة إذا ظهرت عليه، أو منه نِعم إلهية صارت مؤكدة، وبالعين المجرّدة بخبرة الآباء النساك والرهبان، حتى وفي العالم. في الكنيسة الأرثوذكسيّة يُكشف المدفن بعد ثلاث أو خمس سنوات للتأكد من حالة المؤمن الراقد، هل تقدّس، أو يحتاج الى صلوات أخرى. الإختلاف كلي بين العادات الوثنية، والعبادات المسيحيّة في الأداء، والمعنى، والهدف.

عادة إشعال النار في عيد القديسة بربارة، ورفع الصليب الكريم.
نعم كانت الشعوب الوثنية تشعل النار أمام آلهتها الإفتراضية، وكذلك الحكومات تستخدم النيران كأداة بريديّة. أما نحن فلا نوقد النار كمادة عبادة، بل نشعلها كعادة، تقليداً لأحداث حصلت مع القديسين، أو في حوادث مفصليّة في تاريخ الكنيسة. نشعل النار في عيد القديسة بربارة لأنها أشعلت ناراً واستدفأت بها، وشوت عليها القمح. ولكن يرافق هذه الحالة عادة القفز فوق النار، وهذا غير مقبول. إذ يعتاد البعض أن يظهروا قوتهم وحركاتهم السريعة مظهرين عدم خوفهم من لهيب النار المتعالي.

الكنيسة عمّدت المواد والتقاليد الحميدة في حياة الشعوب، وأعطتها معاني مسيحيّة سامية.

سؤال يحضدني وهو كل الشعوب يسجدون أمام آلهتهم وعظائمهم. فهل نمتنع نحن عن هذه العادة لأن الأمم تقدمها لآلهة ليست بآلهة كما يقول الرسول بولص (لأنه لا إله إلا الله) ألا يشعر المؤمن بفرح كبير عندما يسجد بين يدي الله، ويقدم له مشاعره وعواطفه وشخصيته.

نعم سنستمر بتنصير كل عادات الأمم، وخاصة أن الكتاب المقدَّس يخبرنا أن الله يرتضي بمثل ذلك، لا بل ويظهر به قوته، ويقدسه كما تدل حوادث عديدة. تزيين الكنائس بأيقونات القديسين فهل نمتنع عن ذلك لأن الوثنيين كانوا يصورون آلهتهم وعظماءهم، وهل هم أصحاب غيرة أقوى وأعمق من غيرة المؤمنين على إيمانهم ومحبتهم لله.

حاشى وكلا، سنعمل ونستخدم كل حسن وجيّد مهما كان مصدره، وسنعطيه معاني الإيمان المسيحي، ونُشركه في محاولاتنا للحياة بالمسيح، ومع المسيح له المجد الى الأبد. آمين.