مايو 9, 2022

المطران ابراهيم من عانا: لبنان هذا البلد المخلّع آن له أن يقف على رجليه ويحمل سريره ويمشي

تيلي لوميار/ نورسات

المطران ابراهيم من عانا لبنان هذا البلد المخلّع آن له أن يقف على رجليه ويحمل سريره ويمشي

إستقبلت بلدة عانا في البقاع الغربيّ رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للرّوم الملكيّين الكاثوليك المطران ابراهيم مخايل ابراهيم في زيارته الأولى للبلدة، أمام كنيسة مار يوحنّا المعمدان حيث ترأّس القدّاس الاحتفاليّ بمشاركة كاهن الرّعيّة الأب نقولا صليبا، الأب شربل راشد وكاهن رعيّة مار الياس المارونيّة الأب ألبير سكاف، بحضور مدير عامّ وزارة الصّناعة داني جدعون، رئيس البلديّة نجم نخلة، المختار يوسف كيوان، وكلاء الوقف وجمهور كبير من أبناء البلدة.

في بداية القدّاس كانت كلمات ترحيب بالمطران ابراهيم، وتسلّم للمناسبة أيقونة النّبيّ ابراهيم كهديّة له.

بعد الإنجيل المقدّس، ألقى عظة قال فيها:

“المسيح قام.

أوّلاً أشكر بحسب التّراتبيّة والأهمّيّة الأطفال الّذين قدّموا لي الزّهور، هم بالنّسبة لي المثل الّذي دعانا يسوع لاتّباعه “إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السّماوات”، إذًا ليس هناك زعل ولا بروتوكول. الإنجيل يقول لنا بأنّ هؤلاء هم الأهمّ، وإذا كنّا نريد دخول ملكوت السّماوات علينا أن نكون مثلهم. أشكرهم على محبّتهم وطهارتهم وصدقهم.

وهنا أوصي الأهل بأنّ الأولاد ليسوا فقط زينة البيت هم حياة العائلة، هم أيضًا زينة الكنيسة وحياة المجتمع، وإذا كنّا نريد مستقبلاً مشرقًا خصوصًا في هذه المنطقة المهدّدة بأنّ المسيحيّين قد يزولوا منها لا سمح الله، علينا أن نعمل على الأطفال لكي مهما واجهوا من صعوبات عندما يصبحون في المدارس العليا والجامعات لا تستهويهم الأحلام السّلبيّة الّتي لا يعرفون خطورتها بأن يتركوا أرضهم وأهلهم وكنيستهم وبلدهم الجميل لبنان.

من بعد الأطفال أتوجّه بالشّكر إلى الأطفال الكبار الّذين برهنوا بمحبّتهم الكبيرة ابتداء من الأب نقولا صليبا كاهن الرّعيّة الّذي أكنّ له محبّة خاصّة هو والخوريّة على تواضعه وبساطته وبسمته الدّائمة وفرحه، هذا الكاهن مميّز جدًّا، وهنا أذكر أمرًا لكي لا يكون عقدة في رأس أحد أنّ كنيستنا صغيرة أو كما ذكر السّيّد حسيب جدعون غير لائقة، هذه حادثة حصلت معي بعد دراستي عام 1989 في روما الّتي هي المدينة الّتي فيها أكثر الكاتدرائيّات والكنائس جمالاً في العالم، هي متحف مفتوح وكلّ كنيسة ندخل إليها هي آية من الجمال، عدت إلى لبنان لمدّة سنتين بعدها عيّنني الرّئيس العامّ خادمًا لرعيّة كليفلاند في أوهايو في الولايات المتّحدة الأميركيّة وكان المثلّث الرّحمات المطران اغناطيوس غطّاس يقدّمني للرّعيّة ويقول لي أضع هذه الكنيسة الجميلة في عهدتك، كنيسة جميلة بناها وهي كنيسة مار الياس، وسمّيت على اسم النّبيّ إيليّا لأنّه كان هناك اتّفاقيّة بين أوائل المهاجرين عام 1900 الّذين كانوا من زحلة وخربة قنافار بمعظمهم على أن تكون هذه الكنيسة تذكّرهم بقراهم بحيث أنّ في زحلة العديد من الكنائس على اسم مار الياس وفي خربة قنافار أيضًا. هذه الكنيسة بنيت على طراز بيزنطيّ جميل جدًّا مزيّنة بالموزايك والأيقونات، فكان لديّ ردّ عفويّ على سيادة المطران أنّه صحيح أنّ الكنيسة رائعة لكن أنا قادم من روما لا تلوموني إذا قلت إنّ جمالها لن يلفت نظري، لأنّ ألأهمّ بالنّسبة لي هم أبناء الرّعيّة، هؤلاء النّاس الجالسين على المقاعد والرّاكعين بقلوبهم يسبّحون الرّبّ بصدق ومحبّة، هؤلاء هم الكنيسة الّتي لا تستطيع أيّ بازيليك أو كاتدرائيّة أن تضاهيها بالجمال والأهمّيّة. الأيقونات الحيّة الّتي نبخّرها، نبدأ التّبخير بالأيقونات لأنّها رمز الّذين يحملونها والحضور الفعليّ للسّيّد المسيح والسّيّدة العذراء والملائكة والقدّيسين ومن بعدهم مباشرة المؤمنين، هؤلاء هم الأيقونات الحيّة والذّخائر الحيّة. إذا لم نرَ ببعضنا أيقونات حيّة لا نستأهل أن نكون كنيسة، ومصيبتنا في الشّرق أنّنا نضع الحقّ على شيء خارج عنّا أنّه سبب زوال حضورنا المسيحيّ في هذه المنطقة، بينما إذا فحصنا الأمور بشكل جيّد أحيانًا كثيرة نرى أنّ الصّراع المسيحيّ– المسيحيّ وصراع الكنائس بين بعضها الّذي يفقدنا الثّقة بأنّه لنا مستقبل في هذه المنطقة أكثر بكثير من أيّ اضطهاد ممكن أن يصيبنا من الخارج، لذلك حتّى لو كان في البلدة الواحدة غنى بالكنائس وتعدّدها، مثل زحلة، على أبناء هذه الكنائس أن يحافظوا على بعضهم لأنّه كلّ ما حافظوا على الآخر حافظوا على ذاتهم لأنّنا واحد، ومهما تعدّدت كنائسنا وهي موزاييك جميل جدًّا من الطّقوس المتنوّعة في التّسبيح والعبادة، يبقى المسيح واحد لا أحد يستطيع تجزئته والقدّيسين موحّدين بقداستهم ولا أحد يستطيع أن يجزّأهم لذلك كلّ قدّيس عندما تعلنه الكنيسة قدّيسًا يصبح قدّيسًا للكنيسة الجامعة. ونحن نصبح قدّيسين عندما نختم بختم الرّوح القدس على جباهنا في العموديّة المقدّسة ولا ننتظر أن نموت لكي نصبح قدّيسين.

نحن اليوم في لبنان لدينا خطر عشناه منذ الماضي هو قضم الحرّيّات الفرديّة والجماعيّة من القويّ على الضّعيف لذلك نصلّي بصدق من أجل بلد تسود فيه الحرّيّة المبنيّة على المساواة بين النّاس، لا تفرّق النّاس الإمكانيّات المادّيّة ولا الثّقافيّة ولا العائليّة ولا العشائريّة ولا المناطقيّة، ليس هذا ما يحدّد قيمة الإنسان، قيمة الإنسان تأتي من الكرامة الّتي زرعها فيه الرّبّ، وهنا أشكر الآباء المشاركين في الذّبيحة الإلهيّة معنا الأب ألبير سكاف والأب شربل راشد والحاضرين معنا سعادة المدير العامّ، رئيس البلديّة والمختار، وكلاء الوقف وجميع الحضورـ تحت سقف بيت الرّبّ نصبح جميعًا عائلة واحدة، والمتقدّم بيننا واحد هو الرّبّ، ونحن ككنيسة عبر تاريخنا لم نهمل احترام السّلطات المدنيّة، ففي كلّ صلاة وقدّاس نصلّي من أجل حكّامنا المؤمنين عدّة مرّات نذكر المسؤولين في بلادنا، الجيش والقوى الأمنيّة وكلّ من يتحمّل مسؤوليّة في إدارة البلد. نحن لا نؤلّه أحدًا ولبنان إذا ما تراجع عوضًا أن يتقدّم عبر تاريخه منذ الاستقلال وحتّى اليوم لأنّه إله الزّعيم والمسؤول، لم نتعلّم أن يكون لدينا فكر سياسيّ مستقلّ وحرّ ومتطوّر لأنّه غازٍ تلو الآخر وفاتح تلو الآخر لم يتركوا لنا لكي نتنفّس ونكبر وبشكل خاصّ السّلطنة العثمانيّة الّتي حكمت أربعماية سنة، سحبت من شراييننا إمكانيّة التّطوّر في الفكر السّياسيّ وجعلت النّاس جواسيس على بعضها وهذا ما لم نستطع التّخلّي عنها بعد لغاية اليوم، ونلبس عوضًا عنها الوطنيّة الصّالحة والمواطنة الصّالحة.

بالعودة إلى إنجيل اليوم الّذي يتحدّث عن المخلّع الّذي كان ينتظر منذ 38 عامًا، وانتظارنا كان أطول من انتظاره، ولبنان هذا البلد المخلّع آن له أن يقف على رجليه ويحمل سريره ويمشي لكنّه ما زال ينتظر وهذا الانتظار لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، كلّ شيء له نهاية والانتظار مهما طال له نهاية والرّبّ يعرف كيف ينهيه في الوقت المناسب وبالطّريقة المناسبة وممكن أن تكون بركة عين حسدا تمثّل الكنيسة، كلّنا أصحاب احتياجات متنوّعة سواء كانت نفسيّة أو جسديّة أو روحيّة لدينا حاجات وأمراض متنوّعة وكلّنا ننتظر، والرّبّ في الوقت المناسب سيأتي إلينا ويسألنا: أتريد أن تبرأ لأنّه لا يستطيع أن يشفينا إذا كنّا لا نريد، ونحن في علاقتنا مع بعضنا البعض لا يجب أن ندع التّقاليد والأفكار العفنة البالية تتحكّم بإرادتنا وبحياتنا وخياراتنا لكي نذل بعضنا ونعترض طريق بعضنا ممّا يجعل الواحد منّا يتأخّر عوضًا أن يتقدّم.

إذا أردنا أن نكون مسيحيّين لا نستطيع أن نتعايش مع الانتظار الدّائم ولا نستطيع أن نتعايش مع المرض الدّائم ولا مع الفساد، هذا البلد مع الأسف الفاسدين فيه كثر، إذا كانوا مسيحيّين الرّبّ يعرف متّى يشفيهم، هؤلاء الفاسدين الّذين لا يريدون لهذا البلد أن يشفى ويتقدّم وأن يحصل الفرد على كرامته وأن يعيش حسب إرادة ربّه، وبالرّغم من كلّ هذا السّوء الموجود في مجتمعنا يبقى لبنان البلد الّذي لا يمكن أن ننظر إليه من خلال أعين هؤلاء الفاسدين، علينا أن ننظر إليه من خلال أعين الّذين أحبّوه عبر آلاف السّنين.

أشكركم من جديد على استقبالكم وأعتبر أنّني دخلت إلى أعظم كاتدرائيّة في البقاع ولبنان والشّرق، وأنا أعتبر أنّني موجود بين القطيع الصّغير الّذي كان بنظر السّيّد المسيح الأهمّ واستحصل على محبّته ودمه على الصّليب الّذي قدّمه من أجل هذا القطيع الصّغير، هو الرّاعي الصّالح الّذي أحبّ كلّ إنسان وترك القطيع كلّه وتبع الخروف الضّالّ. أشكر الرّبّ على هذا اللّقاء الّذي جمعني بكم اليوم وهذا شرف كبير لي، وكما قلت في خطاب التّولية إنّي آتٍ بعكس السّير في وقت كلّ النّاس تحلم بالهجرة أنا تركت كلّ شيء وحلمت بأمر واحد أن أكون مع أهلي وشعبي ووطني في هذا الوقت الصّعب. هذا حلمي وأحقّقه بفرح كبير”.  

وبعد القدّاس، زار إبراهيم كنيسة مار الياس المارونيّة حيث كان في استقباله الأب ألبير سكاف وعدد من المؤمنين، وكان للأب سكاف كلمة رحّب فيها به بإسم المطران جوزف معوّض، وشرح تاريخ الكنيسة، وشدّد على وحدة الكنائس في البلدة الّتي تشكّل مصدر قوّة.

بدوره، شكر المطران ابراهيم الأب سكاف على الاستقبال وألقى كلمة عبّر فيها عن سعادته بزيارة عانا، ودعا الجميع إلى التّنبّه إلى ظاهرة خطيرة وهي تفشّي الجماعات الّتي تدّعي المسيحيّة مثل شهود يهوه الّتي تحاول استغلال الوضع المعيشيّ الصّعب وسرقة أبناء العذراء من حضنها، ودعا إلى رفض هذه الجماعات وعدم استقبالها.

كما زار منزل رئيس البلديّة السّابق الياس وهبة ومنزل بيار جدعون حيث اختتمت الزّيارة. 

‫شاهد أيضًا‬

المحبّة

واحدة من القيم الأساسية التي ترتكز عليها الكتاب المقدس هي المحبة. تعتبر المحبة مفهوماً مرك…