ديسمبر 20, 2020

المطران كيرلس بسترس: التبنّي الإلهي جوهر المسيحية

المصدر: النهار

إنّ ما تتميّز به المسيحيّة عن سائر الأديان هي نظرتها إلى العلاقة بين الله والإنسان.

فهذه العلاقة، بحسب الرؤية المسيحيّة، هي علاقة أبٍ مع أبنائه. هذا ما نستخلصه من تعاليم السيّد المسيح كما نقلتها لنا الأناجيل المقدّسة وسائر كتب العهد الجديد. فالسيّد المسيح كان يتوجّه دائمًا إلى الله مخاطبًا إيّاه بلفظة “الأب”.

ومثال ذلك صلاته التالية: “أحمدكَ، يا أبتِ، ربّ السماء والأرض، لأنّك حجبتَ هذه عن الحُكَماء والفُهَماء و كشفتَها للأطفال. أجل، أيّها الآب، إنّه هكذا حسن لديك”.

ثم يتابع موضحًا العلاقة الحميمة بينه وبين الله: “إنّ أبي قد دفع إليّ كلّ شيء فلا أحد يعرف الابنَ إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآبَ إلاّ الابنُ ومن يريد الابنُ أن يكشفَ له” (متى 25:11-27). وأمام قبر لعازر، صلّى قائلاً:

“أحمدكَ، يا أبتِ، لأنّك استجبتَ لي” (يوحنّا41:11). وفي صلاته في أثناء العشاء الأخير مع تلاميذه، “رفع عينيه إلى السماء وقال: يا أبتِ، قد أتتِ الساعة، فمجِّدِ ابنكَ لكي يمجّدكَ ابنكَ… فالآن، أيّها الآب، مجِّدني عندكَ بالمجد الذي كان لي عندكَ من قبل أن يكونَ العالم” (يوحنّا 1:17-5). ويرد في الأناجيل أنّه كان يستعمل كلمة “أبّا” التي هي اللفظة الأراميّة التي يتوجّه بها الأطفال إلى أبيهم. ففي نزاعه في بستان الزيتون، صلّى قائلاً:

“أبّا – يا أبتا – إنّكَ على كلّ شيء قدير فأجِزْ عنّي هذه الكأس. ولكن ليس ما أريد أنا، بل ما تريد أنتَ” (مرقس36:14).   هذه العلاقة البنويّة مع الله أراد يسوع أن ينقلها إلى تلاميذه. فعندما طلبوا إليه أن يعلّمهم الصلاة، قال لهم: “فأنتم صلّوا هكذا: أبانا الذي في السماوات…” (متى 9:6).

وطلب منهم أن يثقوا بالله “أبيهم السماويّ”. فلا يطلبوا ما يأكلون أو ما يشربون أو ما يلبسون: “فإنّ هذا كلّه يطلبه الوثنيّون بدَأْبٍ؛ وإنّ أباكم السماويّ يعلم أنّكم تحتاجون إلى هذا كلّه” (متى 32:6). ووصيّة العهد القديم: “كونوا قدّيسين، فإنّ إلهكم قدّوس”، أصبحت ، على لسان يسوع: “كونوا كاملين، كما أنّ أباكم السماويّ كامل” (متى 48:6)، فاستبدل لفظة “إلهكم” بلفظة “أباكم”. ويذهب إلى القول: “لا تدعوا أحدًا على الأرض ’أبي‘، لأنّ أباكم واحدٌ وهو الذي في السماوات” (متى 9:23). وعندما أراد أن يتكلّم على مغفرة الله للخطأة، أعطى مثل “الابن الضالّ”، الذي قال في نفسه لدى توبته: “أقوم وأمضي إلى أبي” (لوقا 18:15). فاستقبله أبوه وأعاده إلى حياة الابن. وعندما رفض الأخ الأكبر مشاركة أبيه فرحة عودة أخيه، قال له أبوه: “يا ابني، أنتَ على الدوام معي، وكلّ ما لي فهو لكَ” (لوقا 31:15).

في هذا القول يتّضح معنى أن يكون الإنسان قد خُلِق “على صورة الله ومثاله”: فالله، بخلقه الإنسان، أراد أن يُشرِكه في حياته، كما أنّ الابن يشارك أباه في ما هو له.  ممّا ورد من تعاليم السيّد المسيح في العلاقة بين الله والإنسان، استخلص الإنجيليّون وبولس الرسول قصد الله منذ الأزل، فقال بولس الرسول: “إنّ الله قد اختارنا عن محبّة من قبل إنشاء العالم… وسبق فحدّد، على حسب مرضاته، أن نكون له أبناءً بيسوع المسيح” (أفسس 4:1-5). وقال في رسالته إلى الرومانيّين: “إنّ الذين سبق فعرفهم، سبق أيضًا فحدّد أن يكونوا مشابهين لصورة ابنه، فيكون هكذا بكرًا ما بين إخوة كثيرين” (رومانيّين 29:8). ورأى أنّ هذا القصد الإلهيّ قد تحقّق بمجيء يسوع المسيح. ففي المسيح ابن الله حصلنا على التبنّي الإلهيّ: “لمّا بلغ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، وننال التبنّي. والدليل على أنّكم أبناءٌ، كونُ الله أرسل إلى قلوبنا روحَ ابنه ليصرخ فيها: أبّا! أيها الآب!

فأنتَ إذن، لستَ بعد عبدًا، بل أنتَ ابنٌ؛ وإذا كنتَ ابنًا فأنتَ أيضًا وارثٌ بنعمة الله” (غلاطية 4:4-7). هذا الميراث هو ميراث حياة الله نفسه. ورأى يوحنّا الإنجيليّ في مقدّمة إنجيله أنّ الذين آمنوا بالمسيح “آتاهم أن يصيروا أبناء الله” (يوحنّا 12:1). ويتوسّع في هذا الموضوع في رسالته الأولى، فيقول: “أنظروا بأيّة محبّة خصّنا الآب حتى نُدعى أولاد الله!… أيّها الأحبّاء، نحن من الآن أولاد الله، ولم يتبيّنْ بعدُ ماذا سنكون. غير أنّا نعلم أنّا، إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأنّا سنعاينه كما هو” (1 يوحنّا 1:3-3). ثمّ يُضيف: “بهذا ظهرت محبّة الله في ما بيننا: بأنّ الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لنحيا به” (1 يوحنّا 9:4). في هذا يقوم جوهر المسيحيّة: إنّ حياة الله قد ظهرت في شخص يسوع المسيح ابن الله لنحيا بها.

كلّ إنسان مدعوٌّ إلى أن يصير ابنًا لله من خلال الإيمان بيسوع المسيح ابن الله والاتّحاد به والحياة من حياته. هذه هي الولادة الجديدة التي تكلّم عليها يسوع في حديثه مع نيقودِمُس: “ما من أحدٍ يستطيع دخول ملكوت الله ما لم يولَد من الماء والروح” (يوحنّا 5:3). ملكوت الله ليس مكانًا بل هو حياة الله نفسه التي أتتنا في شخص يسوع المسيح ابن الله. فمن يحيا من هذه الحياة يدخل منذ الآن ملكوت الله.