فبراير 13, 2022

المطران كيرلس بسترس: بين التيوقراطيّة والديموقراطيّة

المطران كيرلس بسترس

بين التيوقراطيّة والديموقراطيّة

“على من يريد أن يتكلَّم عن الله أن يكونَ متيقِّظًا جدًّا لما يقوله” (أفلاطون)
نوعان من الحكم انتشرا في العالَم على مدى التاريخ: التيوقراطيّة، وهذه اللفظة مشتقَّةٌ من اليونانيّة (وتجمع كلمتَيْن: ثيوس أي الله، وقراتُس أي القوّة أو الحكم)، وتعني “حكمَ الله”؛ والديموقراطيّة، وهي أيضًا مشتقَّةٌ من اليونانيّة (وتجمع كلمَتَيْن: ديمُس أي الشعب، وقراتُس) وتعني حكمَ الشعب. فالتيوقراطيّة نجدها في البلدان التي يسود فيها دينٌ واحد، وترتكز في قوانينها على الشرائع الواردة في الكتب المقدَّسة لهذا الدين. فالنظام الذي كان سائدًا في العهد القديم لدى الشعب اليهوديِّ كان نظامًا تيوقراطيًّا ويتَّخذ أنظمتَه وقوانينَه من كتب العهد القديم. والنظام السائد الآن في بعض البلدان الإسلاميّة كالسعودية وإيران وأفغانستان هو أيضًا نظامٌ تيوقراطيّ يرتكز في أنظمته وقوانينه على الشرائع التي وردتْ في القرآن والحديث، ويُشرِف على تفسيرها رجال الدين.

إنّ النظامَ التيوقراطيَّ لا يمكن أن يوجَد في البلدان المتعدِّدة الأديان، لذلك نرى معظم بلدان العالَم اليوم قد اتّخذتْ النظامَ الديمُقراطيَّ أساسًا لتشريعاتها. وهي إذ ترى أنّ الشعبَ هو مصدر السلطات، تحترم في الوقت عينه الأديانَ المتعدِّدةَ المتواجدةَ فيها وتُبيح لها الحرّيّةَ في ممارسة شعائرها الدينيّة. هكذا فإنّ لبنان قد اتَّخذ منذ تكوينه النظامَ الديمُقراطيَّ أساسًا لأنظمته وشرائعه، وفق ما جاء في مقدِّمة الدستور اللبنانيّ: “لبنان جمهوريّةٌ ديمقراطيّةٌ برلمانيّة، تقوم على احترام الحرّيّات العامّة، وفي طليعتها حرّيّة الرأي والمُعْتَقَد، وعلى العدالة الاجتماعيّة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايزٍ أو تفضيل”. ويُضيف النصّ: “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسَّسات الدستوريّة”. هذه هي الديمُقراطيّة اللبنانيّة، وهي نظامٌ عصريٌّ متقدِّم. لكن قد أُقحِمتْ فيها في الآونة الأخيرة لفظةٌ غريبةٌ تناقض مضمونَها وهي لفظة “التوافقيّة”. فبتنا نسمع الكلامَ على “الديمُقراطيّة التوافقيّة”، التي تجمع لفظتَيْن متناقضتَيْن. فالديمُقراطيّة هي “حكم الشعب”. أمّا “التوافق” فيتمّ بمنأى عن الشعب بين الزعماء ورؤساء الطوائف والأحزاب الذين في معظم الأحيان يسعى كلٌّ منهم إلى مصلحته الخاصَّة دون الاهتمام بمصلحة الشعب. وإذا لم يتّفقْ جميع هؤلاء، ولا سيّما الأقوى فيهم، على أيِّ مشروعٍ يُقدِّمه أحد الأفرقاء، يتجمَّد المشروع وتسقط مصلحة الشعب.

والنظام التيوقراطيُّ يتضمَّن أيَضًا من جهته خطأً في التسمية. فالقول إنّه “حكم الله” غير صحيح لأنّ الشرائعَ الواردةَ في الكتب المقدَّسة والتي يرتكز عليها هذا النظام ليست شرائعَ آتيةً مباشرةً من قِبَل الله، بل هي شرائعُ بشريّةٌ سنَّها أناسٌ تطبيقًا لوصايا إلهيّة. فالقول مثلاً “برجم الزانية” هو تشريعٌ بشريٌّ ورد في زمنٍ معيَّنٍ للوصيّة الإلهيّة القائلة “لا تَزْنِ”، كما بيَّنّا ذلك في مقالةٍ سابقة . وكذلك القول عن سائر الشرائع. فالوصايا إلهيّة أمّا الشرائع فإنسانيّة، وقد أُقحِم فيها اسم الله وهي ليستْ من الله. لذلك لا تقع تحت حكم الله بل تحت حكم رجال الدين القابضين على زمام تفسير الشرائع. لذلك لا يصحُّ تسمية هذا النظام بالنظام “التيوقراطيّ” بل بالنظام “النوموقراطيّ” (من اللفظة اليونانيّة “نوموس” أي الناموس أو الشريعة). ثمّ إنّ احترامَ الله الذي يفوق كلَّ إدراكٍ بشريٍّ ويعجز أيُّ عقلٍ إنسانيٍّ أن يُحيطَ بسرّه يقضي بعدم إقحام اسمه في أيٍّ من الشرائع، كما ينبغي عدم زجِّ اسمه في أيٍّ من التجمُّعات والأحزاب التي هي كلُّها صُنْع البشر، لئلاّ ينطبقَ عليها قول بولس الرسول: “إنّ الأممَ، على ما هو مكتوب (أشعيا يوناني 5:52)، يُجدِّفون على اسم الله بسببكم” (رومة 24:2).

إنّ النظام اللبنانيّ هو، منذ إنشاء دولة “لبنان الكبير”، نظامٌ ديموقراطيٌّ، وهذا النظام يحترم في الوقت عينه قداسةَ الله وكرامةَ الإنسان. لكنّنا نرى اليوم بعض الفئات تحاول العملَ على تغيير هذا النظام وتحويلَه إلى نظام نوموقراطيّ، على غرار بعض الدول الإسلاميّة. لا بدَّ لي في هذا السياق من الإدلاء بشهادةٍ شخصيّة: كنتُ يومًا أشارك في ندوة حوارٍ مسيحيٍّ إسلاميّ، وكنت جالسًا بقرب المرحوم الإمام الشيخ محمَّد مهدي شمس الدين. فدار حديثٌ خاصٌّ بيني وبينه، فسألته عن رأيه في محاولة بعض المسلمين العملَ على إنشاء دولةٍ إسلاميّةٍ في لبنان. فأجابني بصراحته المعهودة: “لا أوافق على هذه المحاولة، فالنظام الديمُقراطيّ هو الأنسب للبنان بسبب تعدُّد طوائفه الدينيّة”. ثمّ إنّ تحويلَه إلى دولةٍ إسلاميّةٍ يعني إلغاءَ دوره الحضاريّ وانتفاءَ تبرير وجوده، كما كان يُردّد المرحوم السيِّد هاني فحص.

‫شاهد أيضًا‬

أقوال البابوات حول الشيطان، العدو الماكر الموجود حقًّا

أقوال البابوات حول الشيطان، العدو الماكر الموجود حقًّا – Vatican News في زمن الصوم ه…