مارس 25, 2022

بشارة مريم العذراء نقطة التقاء بين المسيحية الاسلام

المطران كيرلس

بشارة مريم العذراء نقطة التقاء بين المسيحية الاسلام

إنّ الله الذي تؤمن بوجوده الأديان التوحيديّة الثلاث: اليهوديّة، والمسيحية، والإسلام، يتميَّز في المسيحيّة بما يدعوه اللاهوت المسيحيّ سرّ “التجسُّد”. وهذا يعني أنّ كلمةَ الله، الموجودَ منذ الأزل مع الله، والذي جوهرُه جوهرُ الله عينُه، قد أخذ جسدًا في شخص يسوع المسيح، بحسب ما ورد في مقدِّمة إنجيل يوحنّا: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع الله”، ثم يُضيف: “والكلمة صار جسدًا وسكن بيننا مملوءًا نعمةً وحقًّا. وقد رأينا مجدَه، مجد ابنٍ وحيدٍ آتٍ من الآب” (يوحنّا 1:1، 14). تؤمن المسيحيّة أنّ الله قد ظهر لنا في كلمته في شخص يسوع المسيح الذي، من أجل ذلك، تدعوه “كلمةَ الله” و”ابنَ الله”. ويُفسِّر إنجيل لوقا لماذا يُدعى يسوع ابنَ الله. فعندما ظهر الملاك جبرائيل لمريم العذراء ليُبشِّرَها بولادة يسوع – وهذا فحوى عيد البشارة الذي تحتفل به الكنيسة في 25 آذار -، قال لها: “ها أنتِ تحبَلين وتلدين ابنًا، وتُسمِّينَه يسوع. إنّه سيكون عظيمًا وابنَ العليّ يُدعى”.

فتسأل مريم: “كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟”، فيُجيبها الملاك: “هو الروحُ القدسُ يحلُّ عليكِ وقدرةُ العليِّ تُظلِّلكِ”. ويُضيف: “لذلك فالمولود قدُّوسٌ وابنَ العليِّ يُدعى” (لوقا 31:1، 34-35). فيسوع يُدعى ابنَ الله لكونه وُلِد بقدرة الروح القدس، وليس بمباشرة رجل.

إنّ دورَ مريم العذراء في ميلاد يسوع المسيح كلمة الله هو أمرٌ يجمع بين المسيحيّين والمسلمين. ومهما اختلفت الروايتان في بعض تفاصيل الحدث، فالأساس واحدٌ، وهو أنّ مريم العذراء وَلَدتْ يسوعَ بقدرة الروح القدس من دون مباشرة رجل. وهذا ما يؤكّده القرآن الكريم بقوله: “واذكُرْ في الكتاب مريمَ إذ انتبذتْ من أهلها مكانًا شرقيًّا. فاتَّخذتْ من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحَنا فتمثَّل لها بشرًا سويًّا. قالتْ إنّي أعوذ بالرحمن منكَ إنْ كنتَ تقيًّا. قال إنّما أنا رسولُ ربِّكِ لأهبَ لكِ غلامًا زكيًّا. قالتْ أنّى يكونُ لي غلامٌ ولمْ يمسَسْني بشرٌ ولمْ أكُ بغيًّا. قال كذلك قال ربُّكِ هو عليَّ هيِّنٌ ولنجعلَه آيةً للناس ورحمةً منّا وكان أمرًا مقضيًّا” (سورة مريم 19: 15-20).

منذ 18 شباط 2010 أصبح عيد بشارة مريم العذراء في لبنان عيدًا وطنيًّا، يجتمع فيه المسلمون والمسيحيّون ليجدِّدوا وحدتَهم الوطنيّة، وأصبحتْ مريم العذراء أمًّا تضمُّ إليها كلَّ أبنائها من مختلف الطوائف ليؤكِّدوا أنّ ما يجمع بينهم هو أكثر ممّا يفرِّق. فالله واحد لدى المسيحيّين والمسلمين، مهما اختلفت طريقة تعبيرنا عن سرّه الذي يفوق كلَّ إدراكٍ بشريّ. ويسوع المسيح هو، لدى المسيحيّين والمسلمين، “كلمة الله” الذي وُلِد بشكلٍ بتوليّ من مريم العذراء، مهما اختلف فهمُنا لتعبير “كلمة الله” الذي يفوق سرُّه أيضًا إمكانيّات عقلنا البشريّ. وعلى كلّ حالٍ فليس المهمُّ فهم الله بقدر ما هو التقرُّب من الله، وبقدر ما يتقرَّب المسيحيّون والمسلمون من الله يتقرّبون بعضهم من بعض. هذا ما أرادت الدولة اللبنانيّة، في تكريسها هذا العيد الوطنيّ، التشديد عليه لئلاّ يُبعِدَنا الاختلاف الإيمانيّ عن العيش معًا بمودَّةٍ وسلامٍ في وطنٍ عهد إليه البابا القديس يوحنّا بولس الثاني برسالةٍ خصَّه بها: أن يكونَ، للشرق كما للغرب، نموذجًا للعيش معًا في الوحدة ضمن التنوُّع.

لكن أين نحن الآن من هذه الرسالة وهذه الوحدة؟ فمن دواعي الأسف أنّ التنوُّعَ أصبح تعدُّدًا وتفرُّقًا والوحدةَ أصبحت تشتُّتًا وتشرذمًا. لقد قطع الحوارُ الدينيُّ أشواطًا بعيدةً في التقارب بين المسيحيّين والمسلمين، ولا سيّما منذ لقاء قداسة البابا فرنسيس مع سماحة شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيّب في أبو ظبي في 4/2/2019 وتوقيعهما على “وثيقة الأخوّة الإنسانيّة من أجل السلام العالميّ والعيش المشترَك”، بحيث لم يعدْ ثَمَّة من مشكلةٍ للعيش معًا بسلامٍ على أساس التنوُّع الدينيّ. المشكلة الكبرى تُختصَر اليوم في السؤال التالي: أيَّ لبنانٍ نريد؟ يبدو أنّ دولةَ لبنان الكبير التي انطلقتْ سنة 1920 في استقلالها وسيادتها لم يعدْ يرى البعض فيها ما يمثِّل طموحاتهم. فيُريدون للبنان وجهًا آخر يختلفون عليه. فالبعض يريدونه انطلاقًا من قناعاتهم الدينيّة، ويريدون له تشريعًا دينيًّا، في حين أنّ لبنان هو، بحسب مقدّمة الدستور اللبنانيّ، “جمهوريّة ديمُقراطيّة برلمانيّة، تقوم على الحرّيّات العامّة، وفي طليعتها حرّيّة الرأي والمعتقد”، لكنّ تشريعها هو تشريعٌ مدنيّ؛ والبعض الآخر يحنّ إلى التقارب أكثر من جيرانه ليتبنّى سياساتِهم ومواقفَهم من مشكلات المنطقة؛ فيما آخرون ينسَون أنّ “لبنان بلدٌ عربيُّ الهويّة والانتماء”، كما نقرأ أيضًا في مقدّمة الدستور، فيعادون البلدان العربيّة لينفِّذوا سياسات من هم على مذهبٍ دينيٍّ واحدٍ معهم. وفي كلّ هذا التشرذم تضيع الهويّة اللبنانيّة وتذوب الوحدة الوطنيّة، ويتحوَّل لبنان إلى مجموعة من القبائل المتناحرة تحاول كلٌّ منها السيطرةَ على القبائل الأُخرى.

متى يعود اللبنانيّون جميعًا إلى الدستور اللبنانيّ الذي هو وحدَه يحفَظ الوطنَ ويضمَن لجميع المواطنين حقوقَهم ويؤمّن لهم حياةً كريمةً في الأخوّة والمساواة؟

‫شاهد أيضًا‬

بيان مجلس كنائس الشرق في الذكرى السنوية الـ11 على اختطاف مطراني حلب

بيان مجلس كنائس الشرق في الذكرى السنوية الـ11 على اختطاف مطراني حلب | Abouna تمر السنة الح…