بَيروتُ وَجهُ الوَطنِ وَلا نُريدُها مَدينَةَ الفَوضى

عظة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي
أحد العنصرة
بكركي – 24 أيّار 2026
“لن أترككم يتامى، إنّي آتي إليكم”(يو 14: 18)
- هذه الكلمة ليست مجرد عبارة تعزية قالها الرب قبل آلامه، بل وعد إلهي عظيم تحقّق يوم حلّ الروح القدس على الرسل، ولا يزال يتحقق كل يوم في الكنيسة وفي حياة المؤمنين. وقد تحقّق بملئه في شخص البطريرك الياس بطرس الحويك الذي سنحتفل بتطويبه بقرار من قداسة البابا لاون الرابع عشر في 22 أيار الجاري. فمبروك للكنيسة المارونية ولبنان.
أحد العنصرة، عيد الروح القدس، هو عيد الكنيسة الحية، عيد حضور الله الدائم في العالم. ففي هذا العيد نفهم أن المسيح لم يترك تلاميذه وحدهم بعد الصلب والقيامة والصعود، بل أرسل إليهم البارقليط، روح الحق، ليبقى معهم إلى الأبد، وليحوّل خوفهم إلى قوة، وضعفهم إلى شهادة، وصمتهم إلى بشارة.
العنصرة يرويها سفر أعمال الرسل (الفصل 2). كان الرسل مجتمعين في العلية، خائفين ومنغلقين على ذواتهم، وإذا بصوت كريح عاصفة يملأ المكان، وألسنة من نار تستقر على رؤوسهم، وراحوا يتكلمون بلغات مختلفة، لأن الروح القدس حلّ عليهم وبدّلهم من الداخل، محقّقًا فيهم ثمار الفداء، الذي حققه الابن بتجسده وموته وقيامته.
ولهذا، ليست العنصرة مجرّد ذكرى، بل حضور حيّ دائم. فالروح القدس لا يزال يقود الكنيسة، ويعزّي المؤمنين، ويمنح القوة للضعفاء، والرجاء للمتعبين، والنور لمن يعيشون في الحيرة والقلق. فهو البارقليط أي المحامي والمؤيّد والمدافع. ولهذا قال الرب يسوع: “لن أترككم يتامى، إنّي آتي إليكم”(يو 14: 18). - يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً، وبخاصة رئيس إتحاد بلديات منطقة جزين ورؤساء البلديات والمخاتير وفعاليات المنطقة. وأوجّه تحية خاصّة إلى أسرة تيلي لوميار – نورسات للاحتفال بعيد العنصرة الذي نسجد فيه للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس. ونحيي فيه ثلاث مناسبات: تأسيس مؤسسة تيلي لوميار – نورسات، ذكرى أربعين الأخ نور، إطلاق العدد الأول من جريدة “الدستور”.
أ. المناسبة الأولى: ذكرى التأسيس السادسة والثلاثون لانطلاقة المحطة-الأم، اي تيلي لوميار، ثم فضائياتها نورسات التي أُطلقت كلها، فيما بعد، بالتزامن مع أحد العنصرة، لإيمان المؤسسين بدور الروح القدس الفاعل في تحقيق رسالتهم الاعلامية، التي كانت اشبه بشعلة النور التي نعم بضوئها الكثيرون، وكانوا لها شهوداً.
ب. المناسبة الثانية: ذكرى أربعين الأخ نور، المؤسس، بل رجل المؤسسات والمبادرات الكثيرة، الاعلامية، والانسانية، والتربوية، والصحية. ورجل التجرد والتأمل والصلاة، الذي غادرنا صباح الجمعة العظيمة، ويوافينا اليوم الى علية صهيون، ليقبل مع الرسل حلول الروح، وهو ينعم بصحبتهم في حضن الاب الذي أحب.
ج. المناسبة الثالثة: إطلاق جريدة “الدستور”، تكريماً لذكرى الاخ نور، وهي سياسية، اسبوعية اشتُري امتيازها منذ سنوات، والهدف تركيز مفهوم السياسة كخدمة للخير العام، ونقل الحقيقة المجردة، ونشر القيم والمبادئ السُميا، لأن الحقيقة اساس دعوتنا، واعمالنا، ومشاريعنا، ويجب أن تكون دستور حياة المسؤولين، المدنيين والروحيين، وكل المؤمنين والمواطنين. - بالعودة إلى حدث العنصرة، ظهرت علامات عن حلول الروح القدس وهي:
- الريح الشديدة التي هبّت في العلية كانت علامة قوة الله التي توقظ الإنسان من الداخل.
- ألسنة النار كانت علامة النور والتطهير والغيرة الإلهية التي تلهب القلوب بالمحبة والإيمان.
- التكلم بلغات مختلفة، كان علامة أن الكنيسة مرسلة إلى جميع الشعوب، وأن الروح القدس يوحّد البشر مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم.
لكن “عالم الخطيئة” لا يستطيع أن يعرف الروح القدس، لأن الروح هو روح المحبة، أمّا الإنسان الذي يأسر قلبه في الأنانية والكراهية فلا يستطيع أن يفهم حضور الله وعمله.
- “لن أترككم يتامى، إنّي آتي إليكم”(يو 14: 18). بهذه الكلمة ننظر اليوم إلى واقع وطننا، لأن لبنان يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى روح الحكمة والفهم والمشورة والقوة والمعرفة والتقوى ومخافة الله. فهذه مواهب الروح القدس السبع ليست فقط للتأمل الروحي، بل حاجة فعلية لكل مسؤول، ولكل صاحب قرار، ولكل من يحمل مسؤولية في الكنيسة أو في الدولة أو في المجتمع أو في العائلة. لبنان ينتظر مسؤولين يستلهمون الروح القدس في قراراتهم ومواقفهم، رجال دولة يبنون مستقبلًا ثابتًا لوطنهم، ويحفظون كرامة الإنسان، ويصونون رسالة لبنان ودوره وتاريخه.
نصلي لكي تنجح المفاوضات والمباحثات الجارية، ولكي يستلهم كل من له دور في الشأن اللبناني، في الداخل والخارج، روح الحكمة والتمييز والمسؤولية. فكل من يصنع خيرًا للبنان، يكون شريكًا في خيراته واستقراره وازدهاره، لأن استقرار لبنان خير لكل من يرتبط به ويؤمن برسالته ودوره. وبأمن لبنان يستقر الآخرون أيضًا، وبسلامه يطمئن الكثيرون. أما من يصنع الشر للبنان، أو يتآمر على وحدته واستقراره، فإنه يبقى أسير عزلته وجحيمه، لأن الشر لا يبني وطنًا، ولا يصنع مستقبلًا، ولا يمنح سلامًا. ولهذا، مهما اشتدت الظروف، يبقى لبنان بحياده رسالة حضارة ولقاء وانفتاح، ويبقى وطنًا يحفظه اعتداله ودوره الحرّ ورسالة العيش المشترك التي يحملها إلى هذا الشرق والعالم. فالروح القدس هو روح الوحدة لا الانقسام، وروح الحقيقة لا التلاعب، وروح السلام لا الفوضى. - زارنا بالأمس وفد من “هيئة فعاليات بيروت” عرضوا علينا سلسلة من الهواجس والمشكلات التي تعيشها العاصمة على المستويات الإنمائية والاجتماعية والبيئية والديموغرافية، بالإضافة إلى ملفات النزوح والفوضى والفساد وتضارب الصلاحيات داخل المجلس البلدي. فكانت الصرخة التالية: بيروت العاصمة هي وجه لبنان وذاكرته ورسالته. فحين تتألم بيروت، يتألم الوطن كله، وحين تتعب العاصمة يتعب القلب اللبناني. إن ما نراه اليوم من فوضى وفقر وإهمال وخوف على هوية هذه المدينة، يدعونا جميعًا إلى وقفة ضمير ومسؤولية.
بيروت لم تبن على الكراهية ولا على الإقصاء، بل بنيت على العيش المشترك والثقافة والانفتاح واحترام الإنسان. هي المدينة التي احتضنت الجميع، وفتحت ذراعيها لكل محتاج ومتألم، لكن لا يجوز أن تترك وحدها تحمل أعباء الجميع من دون خطة ولا رؤية ولا دولة حاضرة. إن إنقاذ بيروت لا يكون بالخطابات، بل بتوحيد الجهود ووقف الفوضى وإعادة الاعتبار للقانون والمؤسسات، وبحماية الإنسان وكرامته وحفظ هوية العاصمة ووجهها الحضاري. نريد بيروت مدينة الحياة لا مدينة الخوف، مدينة الثقافة لا مدينة الفوضى، مدينة اللقاء لا مدينة الانقسام. وهذه مسؤولية الجميع: الدولة والمسؤولين والمجتمع المدني وكل مواطن يحب لبنان.
نصلي اليوم من أجل بيروت، لتبقى وردة الشرق، ومساحة الحرية والعيش المشترك، وشاهدة على أن لبنان، رغم جراحه، ما زال قادرًا أن ينهض من جديد، بقوّة الله الواحد والثالوث، الآب والابن والروح القدس، له المجد إلى الأبد، آمين.
من هي الشّخصيّة الأرمنيّة الّتي تطرّق إليها البابا خلال لقائه آرام الأوّل؟
“كان رائدًا على صعيد الحوار بين الكنائس المسيحيّة، وتميّز بقدرته على الانفتاح المسكو…
