مارس 10, 2023

ساكو: كلّ البشر أولاد الله وإخوة لبعضهم البعض

ساكو: كلّ البشر أولاد الله وإخوة لبعضهم البعض

تيلي لوميار/ نورسات

إفتتحت جماعة سانت إيجيديو ومؤسّسة دار العلم للإمام الخوئيّ في النّجف اللّقاء الشّيعيّ الكاثوليكيّ الثّالث الّذي تنظّمانه على مدى ثلاثة أيّام تحت شعار: “تعالوا إلى كلمة سواء”، شارك فيه بطريرك الكلدان مار لويس روفائيل ساكو ومعاونه المطران باسيليوس يلدو والأبوان ألبير هاشم وخوسيه إيمانوئيل، بحضور رئيس المجلس البابويّ للحوار بين الأديان الكاردينال ميغيل إيوسو والكاردينال الباكستاني جوزيف كوتس ورئيس الأساقفة فنجنسو باليا وسكرتير السّفارة البابويّة المونسنيور جارلس، ووفد إيطاليّ من سانت إيجيديو وعدد من الكهنة ورجال الدّين المسلمين.

في الجلسة الافتتاحيّة ألقيت عدّة كلمات ومن بينها كلمة للبطريرك ساكو حول الأخوّة والدّيانة قال فيها بحسب إعلام البطريركيّة: “شكرًا لمنظّمي هذا اللّقاء: مؤسّسة سانت إيجيديو ومؤسّسة الخوئي تحت عنوان “الكاثوليك والشّيعة في مواجهة المستقبل”. للأخوّة بُعد إنسانيّ وروحيّ، يهدف إلى العيش المشترك بسلام، بعيدًا عن العداوة والعنف والخوف. الأخوّة علاقة إنسانيّة وروحيّة واجتماعيّة بين أفراد العائلة الواحدة من حيث القرابة الدّمويّة أو القرابة المعنويّة. هذه العلاقة يُفترض أن تكون وطيدة وحميميّة، أيّ على الأخ أن يشعر بأخيه ويسنده، وينفعه ولا يضرّه (كما فعل قايين بأخيه هابيل). الأخوّة الإنسانيّة تتطلّب الاعتراف بالآخر كأخ وليس كخصم أو عدوّ، وقبوله بمحبّة، واحترام حقّه في العيش بكرامة وحرّيّة وأمان وسعادة. الأخوّة هي في الحقيقة، هويّتنا. وتقوم الأخوّة على ثلاثة أسس: الخلق والإيمان والوطن.

في الخلق

خَلَقَ الله الإنسان الأوّل آدم وحوّاء وأنجبا عدّة أبناء وبنات، هم إخوة وأخوات لبعضهم، لذا فالعائلة الأولى هي في كافّة الدّيانات (الجدّ والجدّة) للبشر. نحن إخوة في الخَلْق بنفس الكرامة والحقوق. الأخوّة خلقةٌ وأخلاقٌ، ونعمة من الله يُقدّرها من يعيشها. ووضعنا الله في الأرض إنّما لنحوّلها إلى جنّة وبيئة نعيش فيها كأخوة وأخوات بحرّيّة وكرامة وفرح.

في الإيمان

كلّنا نؤمن بإله واحد خالق الجميع والّذي سوف يُديننا على المحبّة وليس بحسب دياناتنا. إنّ الله المحبّة والرّحمة بحكم الخلق هو أب. كلّ البشر أولاده وإخوة لبعضهم البعض. هذه هي القاعدة الرّوحيّة للأخوّة الشّاملة. أمّا الدّيانة فهي التّعبير عن هذه الإيمان بطقوس وقوانين وبفكر مختلف ينبغي احترامه.

دور الكتب المقدّسة:

1- التّوراة والإنجيل

في وصايا الله العشر أربع منها تتعلّق بالاعتراف بالله وعبادته، والسّتّ الباقية تُشدّد على العلاقات الأخويّة: أكرم أباك وأمّك، لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزّور، لا تشته مقتنى غيرك…(سفر الخروج فصل 20).  

ويعلن سفر المزامير فرح الأخوّة: “مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعًا” (مزمور 133: 1). في تعليم المسيح (الإنجيل) محبّة الإخوة شاملة، أيّ كلُّ إنسان هو أخ أو أخت “قريب”، صديقًا كان أم عدوًّا، ينبغي احترامه ومساعدته. يُشدّد المسيح على أنّنا جميعًا إخوة متساوون: “أنتم جميعكم إخوة” (متّى 23/ 8). والمحبّة الّتي كرز بها لخّصها بهذه الوصيّة: “أحبِب قريبكَ كنفسكَ” (متّى 22/ 39). والرّسول يوحنّا يقول “من يثبت في المحبة، يثبت في الله والله فيه” (1 يوحنّا 4/ 16). و”كُلَّ مَن لا يَعمَلُ البِرَّ لَيسَ مِنَ الله ومِثلُه مَن لا يُحِبُّ أَخاه” (1يوحنّا 3/ 10).

المسيحية تَحرم الانتقام والثّأر: يقول يسوع: “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ” (متّى 5/ 44). ويذهب الى أبعد من ذلك قائلاً: “أغفر سبعين مرّة سبع مرّاتٍ لأخيك” (متّى 18/ 21)، أيّ لا يمكن إسناد العنف والجريمة على أساس الدّين. من المؤكّد أنّ بعض المسيحيّين لا يطبّقون هذا بالرّغم من أنّها وصيّة المسيح.

رسالة البابا فرنسيس العامّة “كلّنا إخوة” في 4/ 10/ 2020 أتت على أثر انتشار وباء كورونا، للدّعوة من جديد إلى الأخوّة والصّداقة والتّضامن الأخويّ، لأنّ الدّين معاملة. يقول يسوع: “كَما تُريدونَ أَن يُعامِلَكُمُ النَّاس فكذلِكَ عامِلُوهم” (لوقا 6/ 31). المحبّة الحقيقيّة هي “أن نتألّم مع المتألّمين ونفرح مع الفرحين” (رومية 12/ 15).

شعار زيارة البابا للعراق في 5- 8 آذار 2021 الّذي أعددناه في البطريركيّة كان: “أنّكم جميعًا إخوة”، إخوة متنوّعون.. تنوّع ووحدة وسلام. وزيارة البابا فرنسيس للدّول العربيّة المسلمة: الأردنّ، مصر، الإمارات العربيّة المتّحدة، المغرب، العراق والبحرين، جاءت لتوطيد هذه  الأخوّة بيننا. في الكلمة الّتي ألقاها في مدينة أور الأثريّة شجب قداسته استغلال الدّين لغايات شرّيرة: “أنّ أكبر إساءة وتجديف هي أن نُدنّس اسم الله القدّوس بكراهيّة إخوتنا.. لا يصدر العداء والتّطرّف والعنف من نفس متديّنة (مؤمنة).. بل هذه كلّها خيانة للدّين”.  

2- القرآن

يذكر القرآن أنّ المؤمنين بالله إخوة: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” (سورة الحُجُرات 10).

ينقل أنس بن مالك عن النّبيّ هذا الحديث الجميل: “الخلقُ كُلُّهم عِيالُ الله عزَّ وجلَّ، فأَحَبُّ خلقِه إليه أنفعُهم لعِيالِه” و”خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ” للإمام علي مقولة مشهورة: “النّاسُ صِنْفانِ إمّا أَخٌ لَكَ في الدِّيْنِ، أو نَظِيرٌ لَكَ في الخَلْقِ”. وثمّة قول جميل للقمان الحكيم: “ربّ أخٍ لك لم تلده أمك!” وهنا أشيد بوثيقة الأخوَّة الإنسانيّة الّتي وقّعها البابا فرنسيس والإمام الأكبر د. أحمد الطّيّب شيخ الأزهر عام 2019 في أبو ظبي. كما لن أنسى ما قاله سماحة آية الله العظمى السّيّد علي السّيستاني ترحيبًا بقدوم البابا فرنسيس إلى العراق: “نحن جزء منكم، وأنتم جزء منّا” أيّ نحن أخوة. هذه الجملة هي بحقّ فتوى يجب الالتزام بها. كلّ هذه النّقاط جديرة بالتّفكير. ينبغي دراستها بعمق، وإشاعة مبادئها وترسيخها لخدمة الإنسانيّة والدّين.

الوطن

الوطن خيمة يعيش تحتها المواطنون إخوة وكجزء من بعضهم البعض، ولا ينبغي استبعاد أحد أو تهميشه ليحسّ أنّه غريب بين “إخوته”. الوطن بيتهم جميعًا ولهم فيه نفس الحقوق والواجبات. والدّولة كيان معنويّ لا دِينَ لها (الدِّين للأفراد)، فعليها أن تحقّق العدل والمساواة لكي يحظى كلّ شخص بمواطَنَة كاملة. هذه المبادئ مجبولة في الطّبيعة البشريّة وفي الدّيانات، وهي مشتركة للكلّ. أعتقد أنّه لم يعد من الممكن الاستمرار بالطّريقة التّقليديّة الّتي نحن عليها، والّتي تتقاطع مع الواقع الحاليّ المتنوّع للمجتمعات وقيم الأخوّة والعيش المشترك ومع رسالة الأديان في نشر المحبّة والرّحمة والتّسامح.

من هذا المنطلق فإنّ إعادة النّظر في بعض المفاهيم والقوانين القديمة وإصلاحها بات ضروريًّا للتّخلّص من التّفسيرات المتطرّفة والمؤذية. أذكر على سبيل المثال جرائم القاعدة وداعش ضدّ الإنسانيّة نتيجة اتّهام غير المسلمين بالكفر والشّرك. هذا إثم عظيم سوف يدينهم الله عليه، كذلك أسلمة القاصرين بالنّسبة للمسيحيّين عندما يشهر أحد الوالدين إسلامه. هذا ليس عدلاً! لذا يجب تجديد الذّهنيّة،  ومواجهة الحداثة، والانفتاح على الآخرين الّذين هم إخوة لنا ومواطنين، واحترام عقيدتهم والحفاظ على تنوّعنا ووحدتنا، والأمانة للإيمان بالله كمصدر ثقة وثبات. وهنا لا بدّ أن أشير إلى أهمّيّة الدّور الكبير للمرجعيّات الدّينيّة في تمتين ثقافة الأخوّة والسّلام والعيش المشترك وإشاعتها.

في الختام أقتبس فقرة مهمّة من خطاب الرّئيس المصريّ عبد الفتّاح السّياسيّ في جامعة الأزهر في 7 /1/2015: “أقول هنا أمام الرّؤساء الدّينيّين وأمام الخبراء… عليكم أن تخرجوا من انغلاقكم، وأن تنظروا من الخارج لكي تقتربوا من إيديولوجيا نيرِّة حقًّا… العالم كلّه ينظر إلى أقوالكم أيُّها الإمام الجليل.. نحن المسلمين، نحتاج إلى تغيير نظرتنا إلى العالم.. إذ ذاك فقط سيحقُّ لنا أن نطلب من الآخرين أن يحترموا ديننا”.

أخيرًا أؤمن بأنّ “حلم الله” هو أن يعيش جميع البشر إخوة في غاية الفرح والسّعادة، وهذا يجب أن يكون حلم الدّيانات وحلم النّاس العاديّين، وعلى الجميع تحقيقه.”

‫شاهد أيضًا‬

الثلاثاء الثاني من زمن العنصرة

سفر أعمال الرسل 4 : 13 – 22 يا إِخْوَتِي، لَمَّا شَاهَدَ أَعضَاءُ الْمَجْلِسِ ج…