‫الرئيسية‬ يسوعنا “صرنا مشهداً للملائكة والناس”
‫‫‫‏‫3 أسابيع مضت‬

“صرنا مشهداً للملائكة والناس”

المتروبوليت باسيليوس منصور - مطران عكار وتوابعها

كلمة الراعي

“صرنا مشهداً للملائكة والناس”

الإخوة والأبناء الأحباء،
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الخلق على مراتبَ ودرجات وطبائعَ. خلق الجماد الذي لا تبدو حركته، ولا تظهر لنا تبدلاته، ويدوم في السنين طويلاً. وخلق الحيوانَ، والكائناتَ ذواتِ النفس، وهذه تشعر وتجوع وتعطش وتموت.

ولم يعطها شيئاً من الطبيعة الروحانية، ولذلك تبقى هي هي عبر أجيالها تقودها الغريزة، وما تفرضه عليها من ردود أفعال، ولهذا لا تسمو ولا تتطوَّر.

وخلق الله الكائنات ذوات الطبيعة الروحانية، ولم يصلها بالطبيعة الحيوانية ولا الجماد. من هذه الخلائق المراتبُ الملائكيةَ على اختلاف طغماتها وجماعاتها. وبما أنها صاحبة علاقةٍ مع الله، وليس لها علاقة بالأرض إلا، بعملها كأرواح خادمة فهي تنظر دائماً نحو الأعالي تستمد نورها من نوره، تمجَّدَ اسمه وتبارك.

وخلق الله الإنسان مركباً من تركيب حيواني، وتركيب روحاني. بإمكانه النزول الى أسافل دركات العلاقة والعبودية للمادة، وهنا يغلب عليه التركيب الحيواني. من هذه الناحية يتوغل الإنسان في الشر حتى أنَّهُ يثير دهش الطغمات العلويّة، اذ أنها تعرف الهدف من خلق الإنسان الذي هو محط عناية ورعاية وغاية عمل الله، أي انه مدعوٌ الى القداسة، وتسخر منه الأرواح الشريرة لأنها استطاعت أن تلعب به، وأخضعته لذاتها وأهدافها، وأصبح جندياً في معسكرها.

ويثير الإنسان الإعجاب والدهشة عند الملائكة عندما يحقق دعوته الى القداسة، والتشبه بمصاف الملائكة اللاهيولية، وهو في جسده الذي يجذبه نحو الماديات. لقد سقطت مراتب ملائكية، وكانت على درجة عالية من القداسة، وهوت الى الجحيم. فكيف لهذا الإنسان أن يصيب مثل هذا النجاح، وهو ما نعبر عنه في ترانيمنا للآباء القديسين والشهداء الذين ظهروا أقوى من الحديد والنار، وسائر العذابات حتى صاروا دهشة وعجباً لمضايقيهم.

أيها الإخوة والأبناء الأحباء،

لقد عبّر الرسول بولص تعبيراً دقيقاً في قوله: “صرنا منظراً للملائكة والناس”، فبينما كان المجتمع الروماني واليهودي آنذاك يسعى سعياً لا هوادة فيه لإكتساب السلطة على رقاب الناس مستعملين لذلك كل الوسائل الممكنة. كان المسيحيون، وخاصة الرسل، وهم المؤيدون بالنعم الإلهية لمخاطبة الناس باللغات، وشفاء المرضى، وإقامة الموتى، والسيطرة على كل أنواع الشر، وإخضاع كل قواه تحت وطأة طاعتهم ومحبتهم لله، أنهم كانوا متواضعين، ويتصرفون على أساس هذه الفضيلة كيفما توجهت ركائبهم، ولكنهم أيضاً أثاروا الملوك والحكماء بحكمتهم وفهمهم.

لقد أعطوا للتحديدات والمفردات معاني أخرى. ولكنهم عكسوا المعاني لا في الكلام فقط، بل وبالعمل، وهكذا قلّدوا سيدهم القائل: “من أراد أن يكون فيكم أولاً، فليكن للكل خادماً”.

أثار المسيحيون الأوائل إعجاب الناس لدرجة أن الناس، وهم يرونهم مضطهدين متضايقين معذبين مطرودين ولا مسكن لهم، كانوا يدخلون في إيمانهم أفواجاً وفراداً. كما حدث مع القديسة كاترينا العظيمة في الشهيدات، وغيرها من القديسين والشهداء. وإذا كان المجتمع المسيحي بفضيلته وإخلاصه، وفضيلة أفراده متفوقاً على غيره من المجتمعات، إستطاع أتباع الناصري المصلوب أن يقلبوا عروش المقتدرين. فباتكالهم على اسم يسوع المسيح غيروا تفكير البشر بما علمه لهم يسوع، وطالبهم أن يعلموه لجميع الناس.

المسيحيّة تثير العجب بعقائدها، ولا يمكن البرهان عليها بمنطق بشري، ولكن من يريد أن يكتشف حقائق الإيمان المسيحي عليه أن يصبح هو كلمة قدسية متنقلة بين البشر.

يقول العدل في الكتاب المقدس العهد القديم: “العين بالعين، والسن بالسن”، ويعدد وصايا حول أخذ الحق البشري. ولكن المسيحيّة تعلّمنا أن عدل الله برحمته. فهل يستطيع أهل العالم أن يفهموا معنى المسامحة، ومشاعر التسامح ومتوجباته، بكل تأكيد قلة منهم ستدرك ذلك، وبالرغم من انهم يتغنون بها وبمثلها، إلا أنهم يجدون صعوبة في عيشها، وتطبيقها في تعاملهم مع الناس. وبالرؤية النبويّة قال السيّد له المجد: “لعلَّ ابن الإنسان يجد إيماناً على الأرض عندما يأتي”.

مَنْ مِنَ القرّاء، أو الكتّاب، أو المفكّرين، أو الثائرين ضد الباطل لم يقل كلاماً طيباً بشخصية المسيح، وأبدى إعجاباً منقطع النظير بتعليمه. يقف غاندي محرر الهند قائلاً لأهل المبشرين الذي دعاه لاعتناق المسيحيّة، وقال له: “اعطونا مسيحكم، وخذوا مسيحيَّتكم”. وهو الذي قال لأحد أتباعه عندما ذكره بما فعله السيّد في الهيكل، وطرد الصيارفة، وقلب موائدهم. فأجابه المهاتما غاندي: “أحبب كما فعل المسيح، وافعل ما شئت”.

يمرُّ الزمن، وتعبر الأجيال والبشريّة تتقدم في العلوم التقنيّة، ولكنها تتأخر في العلوم الإلهيّة. فلم يعد الناس يطالبون بالكلمة الإلهيّة، لا بل يعادون من يسعى لعيشها وإحياء سننها بين الناس. قال القديس أنطونيوس الكبير لبعض الآباء سيأتي زمن يعتبر فيه من يعيش كما يعيش بقية الناس في أيامنا. قديساً وناسكاً مجاهداً. يبدي الناس إعجابهم بالرهبان لأن الرهبان إستطاعوا أن يعيشوا ما لم يتجرأ الناس على عيشه، فنجد الشباب والصبايا يتوجهون في طلبهم للحياة الروحيّة الى الآباء لا في الرعايا بل في المناسك والأديار. يصبح الشباب المؤمن موضع دهش بالنسبة للمنخرطين في الحياة الدنيا، ويخضعون لها بدلاً من إخضاعها لإرادتهم. يتعجبون ممن يعيش الحياة باستقامة كتعجبهم من مهرة المتصارعين أو المحاربين. نعم، عبر التاريخ كان الإنسان الفاضل موضع إعجاب الناس، ولكنه في موضع إعجاب الملائكة.

وعلى المؤمنين الثبات في هذا العيش. لكي يوجدوا منتصرين وظافرين. في حياتهم، وفيما يخصهم، فبدون الفضيلة لا يستطيع أحد أن يُنجحَ عائلة، ولا أن يربح أولاده، ولا أن يرتاح من نحو شريكه. الحياة في المسيح تجعل الناس يمجدون أبانا الذي في السماوات.
سيبقى الصراع بين ما يدعى الخير والشر عبر العصور. وستبقى الناس تشتهي القدوة، وعلينا أن نكون القدوة لأنه من واجبنا أن نكون نور العالم، وملح الأرض.

وبغير ذلك لا تستقيم الأمور لا لنا، ولا في العالم. فإذا كنا كما العالم فهل نثير فيه الدهشة. لكي ندهش العالم علينا أن نسمو على فضائل العالم. فالعالم يعيش فضائله إذا عاشها أفضل منا. ولكن نحن نقتدي بالله، وهنا وجه الغرابة والدهش لكي نكون نحن قدوة للناس المتلمسين طريق الخير.

يبدي الناس غيرة في كثير من المواقع، وفي العصر الحاضر إذ عند الصدمة الأولى في أي حدث سيء، أو فاجعة يهبّ من نظنهم انهم صاروا بعيدين عن الله للمعونة، وللمشاركة في تخفيف المصاب. وبهم ينطبق قول الله لايليا: “لقد تركتُ لي سبعة آلاف ركبة لم تنحنِ لبعل”.
أسأل الله أن نكون برغم الظروف الصعبة، وبرغم عداء العالم للفضيلة، وللإستقامة بالحياة من الآلاف التي لم تحنِ ركبها لبعل. وأن يحفظكم ثابتين في هذه الأيام العصيبة، وكافة الظروف غير المؤاتية للخير والجمال.

‫شاهد أيضًا‬

14 أيلول عيد إرتفاع الصليب المكرّم

تحتفل الكنيسة المقدّسة في الرّابع عشر من شهر أيلول من كلّ عام بعيد إرتفاع الصّليب المقدّس،…