عظة غبطة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي أحد الشَّعانين

البطريركية المارونية

عظة غبطة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي
أحد الشَّعانين
بكركي في 5 نيسان 2020
“هُوشَعْنَا! مُبَارَكٌ الآَتِي بِاسْمِ الرَّبِّ، مَلِكِنَا” (يو13:12)

  1. دخلَ يسوع أورشليم واستقبلوه ملكًا، ليموت فيها فاديًا الجنس البشريَّ، ومخلِّصًا الإنسان. فانكشفَ للحالِ جوهرُ ملوكيَّته. إنَّها ملوكيَّة المحبَّة التي تبلُغُ ذروتَها بالتَّفاني حتَّى بذل الذَّات، فدًى عن الكثيرين (متى28:20). فأضحت مثالَ السُّلطة في الكنيسة والدَّولة، في العائلة والمجتمع. إستقبلوه بكلِّ عفويَّةٍ ملِكًا زمنيًّا منتظَرًا طويلاً ليحرِّر شعبَه من الاحتلال الرُومانيِّ الوثنيِّ لأرضهم المقدَّسة، أرضِ يهوه، ومن ظلم السُّلطة الدِّينيَّة عليهم. لكنَّه أتى ملِكًا ليُحرِّر الإنسانَ من شرِّه وخطيئته أوَّلاً، وبالتَّالي من ممارسة الظُّلم والاستبداد والاستضعاف والاستغلال والافقار.
  2. لقد أعطَى هتافاتِ الأطفال والجماهير “بهوشعنا” معناها: “هلمَّ يا ربُّ وخلِّصنا”. وأعطى أغصان النَّخل والزَّيتون التي استقبَلُوه بها أبعادَها النَّبويَّة: لقد دلَّت على أنَّه الملِكُ الحقيقيُّ الذي يُستقبَل بأغصان النَّخل كعلامةٍ للانتصار في رسالته الخلاصيَّة؛ وبأغصان الزَّيتون كعلامةٍ لسلامه الذي ينشره في الأرض. ولذا، دخلَ ملِكًا متواضعًا على جحش ابن أتان، لا على حِصَانٍ ومَركَبةٍ مثل ملوك الأرض؛ ودخلَ منتزِعًا الخوف من القلوب. وبعدَ خمسة أيَّامٍ سيتألَّم ويموت، وفي اليوم الثَّالث يقوم. فتأسَّست مملكتُه الجديدة المتمثِّلة بالكنيسة، المعروفة “بمملكة المسيح” و”بملكوت الله”. وقد أشركَنَا في ملوكيَّته بواسطة المعموديَّة والميرون. فأضحَت رسالتُنا المسيحيَّةُ إعلانَ ملكوت الله ونشره في العالم. وهو ملكوت المحبَّة والحقيقة، ملكوت العدالة والسَّلام، ملكوت الحرِّيَّة وكرامة الإنسان.
  3. من جميع هذه المعاني اتَّخذَ عيدُ الشَّعانين رموزه ومعانيه. فكما اختتمَ يسوع إعلان رسالته الخلاصيَّة بدخوله لآخر مرَّةٍ إلى أورشليم قبل آلامه وموته وقيامته، كذلك نحن أيضًا نختتم مسيرة الصَّوم التي عادت بنا إلى ذواتنا بالصِّيام بأفعال التَّقشُّف والإماتة، وبما فرضَهُ علينا فيروس ال corona تكفيرًا عن خطايانا؛ وعادت بنا إلى الله بالإصغاء إلى كلامه وقراءة علامات الزَّمن ولاسيَّما علامة فيروس corona، وبالتَّوبة إليه بندامةٍ داخليَّةٍ حقيقيَّة؛ كما عادت بنا إلى إخوتنا الفقراء والمعوزين، بترميم علاقة المحبَّة والتَّضامن معهم. ولذلك نقيم في هذا اليوم صلاة الوصول إلى الميناء، وبها نستعدُّ لدخول مسيرة أسبوع الآلام مع الفادي الإلهيّ.
  4. في هذا العيد نُبارِك أغضان الزَّيتون كبركة سلامٍ يحمِلُها المؤمنون إلى بيوتهم، ويُحفَظ قسمٌ منها في الكنيسة لتُحرَق ويُستعمَل رمادها في “إثنين الرَّماد” الذي يَبدأ به زمن الصَّوم الكبير.
    وعيدُ الشَّعانين هو عيد الأطفال الذين يتوافدون إلى الكنيسة مع والديهم وأهلهم، مُرتَدين الثِّياب الجميلة الجديدة، حاملين الشُّموع وأغصان النَّخل والزَّيتون كعلامةٍ لإيمانهم بالمسيح الملِك وحُبِّهم له.
    ويسير الجميعُ في تطوافٍ بهيج، مواصلين التَّطوف وراء يسوع الذي قام به تلاميذُه مع الشَّعب والأطفال وكلُّ الذين جاؤوا إلى أورشليم لعيد الفصح.
  5. ولكنَّ فيروس corona جاء يَحرِم الجميع، في كلِّ نواحي الأرض، من بهجة العيد والاحتفال به في الكنائس، ويَحرِم الأطفالَ من سعادة عيدهم؛ ويوقِعُ العديد من العائلات والأطفال في حال الفقر والحِرمان؛ ويَفتِك بمئات الآلاف من الضَّحايا.
    وها نحن اليوم من بيوتنا، بواسطة وسائل الاتِّصال، نشارِكُ روحيًّا في فرحة العيد، فالمسيح هو العيد وإليه نصرُخُ بإيمانٍ:
    “هوشعنا”، هلمَّ يا ربّ وخلِّصنا من خطايانا وشرورنا، خلِّصنا والعالم من فيروس corona، أرجعِ الحياةَ إلى الكرة الأرضيَّة، وارفعها من جمودها القتَّال.
    هلمَّ واخنُقِ الضَّغينة في القلوب والحقدَ والحسدَ والبغض.
    هلمَّ وانصُرْ ذوي الإرادة الحسنة من حكَّامٍ ومسؤولين ليَنهضُوا ببلدانهم، ويُعزِّزوا السَّلام فيها والوحدة، ويُؤمِّنوا السِّلم الأهليَّ: السِّياسيّ والغذائيّ والصِّحِّيّ والتَّربويّ.
    هلمَّ واطفئِ الحروبَ والنِّزاعاتِ والخلافات.
    هلمَّ وافتقدِ النَّازحين عن أوطانهم واللَّاجئين، وحرِّك ضمائر حكَّام العالم ليعملوا على عودتهم بكرامةٍ إلى بلدانهم، لكي يُواصِلوا كتابة تاريخهم، ويُغنوا تراثاتهم ويُعزِّزوا ثقافاتهم.
    هلمَّ واجعلْ من وسائل الاتِّصال الاجتماعيِّ أدوات بناءٍ للجسور، وتعزيزٍ للحضارات، وتكوينٍ للرَّأي العامِّ السَّليم والصَّحيح.
    بهذا الدُّعاء نهتفُ إليكَ أيُّها المسيح، “هوشعنا مبارَكٌ الآتي باسم الرَّبّ، ملكِنا”. لكَ المجد والتَّسبيح مع الآب والرُّوح القدس من الآن وإلى الأبد، آمين.