يوليو 12, 2022

عوده: عودة القضاء إلى عمله النّزيه والمستقلّ يعيد التّوازن إلى المجتمع

تيلي لوميار/ نورسات

ترأّس متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عوده خدمة القدّاس الإلهيّ، يوم الأحد، في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس.

بعد قراءة الإنجيل المقدّس ألقى عظة جاء فيها: “أحبّائي، تعيّد كنيستنا الأنطاكيّة اليوم لقدّيس عظيم، شهيد في الكهنة، اسمه يوسف الدّمشقيّ، لا بدّ من التّعرّف عليه لما اتّسمت به حياته من نعم إلهيّة.

إنّه الخوري يوسف مهنّا الحدّاد، الّذي يتفرّع من قرية بسكنتا، حيث عاش والده قبل الانتقال إلى دمشق في الرّبع الأخير من القرن الثّامن عشر. هناك عمل والده في صناعة النّسيج، وتزوّج فرزق ثلاثة ذكور هم: موسى وإبراهيم ويوسف. كان موسى أديبًا وملمًّا باللّغة العربيّة والعلوم، فاقتنى مكتبة تحتوي على الكثير من المؤلّفات اللّغويّة، إلّا أنّه مات فتيًّا في أوائل القرن التّاسع عشر. أخوه إبراهيم تزوّج ورزق أولادًا انتشروا بين مصر ولبنان. أمّا يوسف، فولد في دمشق، في أيّار 1793. تلقّى مبادئ اللّغتين العربيّة واليونانيّة، لكنّه لفقر حال والديه، ترك الدّراسة وانصرف إلى العمل في صناعة النّسيج والحرير لمساعدة عائلته. مع هذا، لم يترك المطالعة، فكان يعود من عمله ليلاً ويغوص في كتب أخيه موسى، الّتي، عندما رأى نفسه لا يفهمها، عاد لينكبّ على دراسة اللّغة والبيان والمناظرة والمنطق والعلوم العقليّة. بعدما رأى أنّ نفقات التّعليم باهظة وتثقل كاهله، عكف على المطالعة، وكان يترجم ما لا يفهمه، فأصبح مولعًا بالتّرجمة، وأخذ يقابل بين التّوراة والمزامير وأصلهما.

إذا، كان يوسف يعمل نهارًا، وكان يسهر ليلاً ليطالع وينسخ الكتب. قلق أبواه من حاله، ولم يريدا أن يخسراه مثل أخيه، فمنعاه عن المطالعة خوفًا على صحّته، ثمّ زوّجاه لكي يصرفا أفكاره عن العلم. بعد سنوات، عاين الشّعب اجتهاد يوسف وحسن سيرته، فسألوا بطريركهم ترقيته إلى رتبة الكهنوت. ذاع صيت الكاهن يوسف لتفانيه في خدمة كنيسته وأبنائها، وكثرة إرشاده وتعليمه، وغزارته في الإنتاج، حتّى إنّه أنشأ مدرسة علّم فيها كلّ من شاء الإرتقاء إلى درجة الكهنوت، إلى جانب الكثير من العلوم اللّغويّة والعلميّة والدّينيّة. كانت المدرسة شغله الشّاغل، لكنّه أدرك أنّ عليه تعيين وكلاء لإدارة شؤونها تحت رعايته، حتّى يتفرّغ للوعظ في الكنيسة، وتحويل النّاس عن العادات الخاطئة الّتي كانت منتشرة آنذاك، فأثّر كلامه في النّفوس واستطاع أن يصل إلى التّغيير المنشود.  

كان الكاهن يوسف يسافر ليخدم أبناء رعيّته خارج دمشق. إستطاع أن يقسّم وقته بين عائلته الكبيرة ومشاغله الكثيرة، وبين الدّأب على المطالعة والدّراسة والوعظ والمباحثة والتّعريب والتّأليف والتّدريس والنّسخ، ورعاية أبناء رعيّته، وإتمام واجباته الكهنوتيّة.

عندما تفشّى وباء الهواء الأصفر في مصر عام 1848، وانتقل إلى دمشق فاتكًا بسكّانها، أظهر الكاهن يوسف غيرة مسيحيّة في خدمة المرضى ودفن الموتى ومؤاساة الحزانى. هكذا، صرف حياته في الاجتهاد والجهاد حتّى نشوب أحداث العام 1860 الّتي امتدّت إلى دمشق، فبقي يشجّع مواطنيه ويقوّيهم حتّى الرّمق الأخير. لمّا هرب الكلّ، جمع من تبقّى منهم في الكاتدرائيّة المريميّة، الّتي ذهب إليها حاملاً الذّخيرة المقدّسة، وبات ليلته معهم يشدّدهم بأحاديثه. في صباح 28 حزيران، تمّ هجوم على المريميّة وقتل من فيها، إلّا أنّ الكاهن يوسف استطاع أن يهرب مع بعض مواطنيه، لكنّه ما لبث أن سقط قتيلاً، وهشّمت جثّته بعد تناوله الذّخيرة المقدّسة الّتي كانت معه، حفاظًا عليها.

يا أحبّة، القداسة ليست أقوالاً، ولا خطابات طنّانة قد تستشهد بكلام الرّبّ أو ربّما لا. القداسة أفعال تترجم كلمات الكتاب المقدّس ووصايا الرّبّ، عبر خدمة قطيعه الأرضيّ، بتواضع تامّ وانسحاق، من دون تطبيل أو تزمير. من هنا، نفهم ما قاله قائد المئة للرّبّ يسوع في إنجيل اليوم: “يا ربّ، لست مستحقًّا أن تدخل تحت سقفي، ولكن قل كلمة لا غير فيبرأ فتاي. فإنّي أنا إنسان تحت سلطان، ولي جند تحت يدي، أقول لهذا اذهب فيذهب، وللآخر ائت فيأتي، ولعبدي اعمل هذا فيعمل”. لقد شعر قائد المئة بأنّه متكبّر، إذ إنّه يتمتّع بسلطان أرضيّ يأمر من خلاله البشر الموضوعين تحت يده، لهذا لم ير نفسه مستحقًّا لدخول الرّبّ يسوع إلى بيته وقد وجد فيه سلطانًا ليس من هذا العالم، ومع ذلك فإنّه لا يتأخّر في تلبية حاجات النّاس. لذلك كانت إجابة يسوع سريعة: “أنا آتي وأشفيه”. هذه المحبّة الإلهيّة جعلت قائد المئة ينظر إلى عمق نفسه ويرى أنّه غير مستحقّ، لأنّه هو نفسه، الموضوع في منصبه كخادم للشّعب، لا يفعل ما يمليه عليه واجبه، بل جلّ ما يقوم به هو إسداء الأوامر لهذا وذاك من المستخدمين.

يشكّل إيمان قائد المئة وتواضعه ومعرفته لخطيئته درسًا لكلّ ذي منصب وسلطة، حتّى يتعلّموا منه العودة إلى ذواتهم وإلى الرّبّ، ويجدوا أنّهم لا يستحقّون ما أسند إليهم لأنّ المسؤول الحقيقيّ لا يحقد أو يظلم، ولا يتكبّر أو يسيء معاملة أحد، بل يتواضع لكي يعبر الخلاص عن طريقه، تمامًا كما حدث في شفاء غلام قائد المئة.

يا أحبّة، بعد ما سمعناه عن الجريمة بحقّ الطّفولة، لا يسعنا إلّا أن نطالب القضاء المختصّ بإحقاق الحقّ والاقتصاص من الجاني، ومعاقبته بما يستحقّ، وألّا ينصاع إلى أيّ طرف سياسيّ أو دينيّ قد يتدخّل ليظهر الجاني بريئًا، والمجنيّ عليهم مجرمين. براءة الطّفولة يجب ألّا تجرح أو يعتدى عليها، الأمر الّذي تدافع عنه الكنيسة، مقتصّة من أيّ معتد تابع لها. لا يتوقّف الدّفاع عن الطّفولة عند موضوع التّحرّش أو الاعتداء الجنسيّ، بل يتعدّاه إلى موضوع تزويج القاصرات المرفوض، والعنف الأسريّ أو المعنوي، والتّنمّر على الأطفال والمراهقين أو استغلالهم في العمل، وغير ذلك من الجرائم بحقّ الطّفل والطّفولة.

وإن ننسى فلا نستطيع أن ننسى جريمة المرفأ الشّنعاء الّتي ذهب ضحيّتها مئات الضّحايا الأبرياء، ومسبّبوها مجرمون قد يكون بعضهم في مراكز الدّولة ومؤسّساتها، يحاولون إعاقة التّحقيق أو منعه من كشف الحقيقة، لكي لا تنكشف جريمتهم.

إنّ عودة القضاء إلى عمله النّزيه، العادل، والمستقّل، البعيد عن التّجاذبات والتّأثيرات، يعيد التّوازن إلى المجتمع، ويحميه من الذّئاب الخاطفة كائنًا من كانوا.  

في الأخير، يدعونا القدّيس يوسف الدّمشقيّ، وإنجيل اليوم، إلى التّحلّي بالإيمان والشّجاعة المترافقة مع العمل الحثيث والتّواضع والمحبّة. بهذا يخلص الإنسان، والأوطان، آمين.”

‫شاهد أيضًا‬

إختتام التحقيق الرسمي في رفات خادم الله الكاردينال كريكور بيدروس الخامس عشر أغاجانيان

المصدر: بطريركية الأرمن الكاثوليك إختتام التحقيق الرسمي في رفات خادم الله الكاردينال كريكو…