فبراير 6, 2023

عوده للمسؤولين: أتركوا خلافاتكم وتخلّوا عن مصالحكم وتكاتفوا بتواضع ومحبّة

عوده في عظة الشّعانين: هل يملك شعبنا إرادة التّغيير ويسعى من أجل التّغيير أم أنّه سينكفئ ويختار القديم الذي اعتاده؟

تيلي لوميار/ نورسات

ترأّس متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عوده خدمة القدّاس الإلهيّ في كنيسة القدّيس نيقولاوس.

بعد تلاوة الإنجيل المقدّس، ألقى عوده العظة التّالية:  

“بإسم الآب والإبن والرّوح القدس، آمين.

أحبّائي، بعدما تعرّفنا على عشّار اسمه زكّا، وكيفيّة اجتهاده ليلتصق بالمسيح، وبعدما رأينا كيف أظهرت الكنعانيّة الوثنيّة، غير اليهوديّة، إيمانًا كبيرًا بـ”ابن داود” ونالت شفاء ابنتها بنعمة الله، نصل اليوم مع مثل الفرّيسيّ والعشّار إلى بداية مرحلة التّهيئة للصّوم الأربعينيّ المقدّس.

عندما نسمع مثل الفرّيسيّ والعشّار نفكّر بالكبرياء والتّواضع. إذا انطلقنا من معنى كلمة “فرّيسيّ” يتجلّى أمامنا المعنى الحقيقيّ لخطيئة الفرّيسيّ وذهابه غير مبرّر، على عكس العشّار الّذي برّره الله.

لا يذكر مثل اليوم اسم الشّخصيّتين، بل يعطينا الرّبّ صفتين تدلّان على عمق كيان من يتحدّث عنهما. فالعشّار إنسان مكروه جدًّا لأنّه يسرق أبناء شعبه ويجني الأموال الطّائلة، ويعتبر عميلًا لدى دولة غريبة وثنيّة مستعمرة. كان أبناء شعبه ينظرون إليه نظرة احتقار وإدانة ويعتبرونه خاطئًا كبيرًا. أمّا الفرّيسيّ، أيّ “المعتزل” أو “المبتعد”، فهو الّذي أبعد نفسه عن الخطأة. لذلك يقول في صلاته: “ألّلهمّ، إنّي أشكرك لأنّي لست كسائر النّاس الخطفة الظّالمين الفاسقين، ولا مثل هذا العشّار”. شكّل الفرّيسيّون جماعةً متشدّدةً، متديّنةً إلى حدّ التّطرّف، فرضت على أعضائها الاعتزال عن النّاس الّذين تعتبرهم خطأةً، ودعتهم إلى التّمسّك التّامّ بالشّريعة وفرائضها، كأن يغتسلوا ليكونوا أنقياء، مطبّقين حرفيّة ما جاء على لسان إشعياء النّبيّ القائل: “اغتسلوا، تنقّوا، اعزلوا شرّ أفعالكم من أمام عينيّ، كفّوا عن فعل الشّرّ” (1: 16). وكان الفرّيسيّون يمتنعون كلّيًّا عن العمل يوم السّبت، ويؤدّون عشر دخلهم للهيكل، ولا يتناولون بعض اللّحوم النّجسة. هذه الأمور ذكرها الفرّيسيّ في صلاته قائلًا: “إنّي أصوم في الأسبوع مرّتين وأعشّر كلّ ما هو لي”. هنا نتذكّر ما حصل مع الرّسول بطرس في أعمال الرّسل، عندما جاع وغفا فيما كانوا يهيّئون له الطّعام، فرأى في رؤيا “السّماء مفتوحةً وإناءً نازلًا عليه… وكان فيه كلّ دوابّ الأرض والوحوش والزّحّافات وطيور السّماء. وصار إليه صوت: قم يا بطرس، إذبح وكل. فقال بطرس: لا يا ربّ، لأنّي لم آكل قطّ شيئًا دنسًا أو نجسًا. فصار إليه صوت ثانيةً: ما طهّره الله لا تدنّسه أنت!” (10: 10-15). كأنّ جواب الرّبّ لبطرس موجّه إلى جميع اليهود والفرّيسيّين المتزمّتين، كما إلى جماعة من مسيحيّي اليوم يظنّون أنّهم أفضل من سواهم، فقط لأنّهم يدعون “مسيحيّين”، مع أنّ كثيرين لا يفعلون ما يطلبه الرّبّ منهم، وأوّل ذلك أعمال المحبّة والرّحمة.

الفرّيسيّ، في بداية صلاته، وصّف نفسه وعمله، ظانًّا أنّ عليه تذكير الرّبّ بما يظنّها حسناته الشّخصيّة، لكي ينال التّبرير. خطيئته الكبرى أنّه وضع نفسه في مقابلة مع العشّار عندما شكر الله لأنّه ليس “مثل هذا العشّار”. لقد جاء المسيح ليتمّم النّاموس، لا لينقضه، وربط النّاموس بالمحبّة الّتي لا تظهر إلّا عبر أعمال يقوم بها الإنسان تجاه أخيه الإنسان. هذا الفرّيسيّ الضّليع بالشّريعة والنّاموس تعلّق بحرفيّة النّصّ، لكنّه رسب في تطبيقه مع أخيه الإنسان المخلوق، مثله، على صورة الله ومثاله، فسقط في خطيئة الكبرياء القاتلة، الّتي أخرجت آدم وحوّاء من فردوس النّعيم.

يعلّمنا مثل الفرّيسيّ والعشّار كيفيّة الصّلاة الحقيقيّة. لمّا صلّى الفرّيسيّ أراد تذكير الله بأنّه يطبّق النّاموس الّذي وضعه الله نفسه، لذلك هو يستحقّ التّبرير. يا أحبّة، إنّ الله يعلم كلّ شيء، خصوصًا خطايانا. ولا نحتاج إلى تذكيره بحسناتنا. لكنّ الإنسان يحتاج دومًا إلى تذكّر خطاياه والعيش بتوبة واتّضاع كما فعل العشّار الّذي “وقف عن بعد ولم يرد أن يرفع عينيه إلى السّماء، بل كان يقرع صدره قائلًا: ألّلهمّ ارحمني أنا الخاطئ”.  

الفرّيسيّ الّذي برّر نفسه، وحاول تذكير الله بأنّه مبعد ذاته عن الخطايا والخطأة، عائش بحسب النّاموس، لم يذهب إلى بيته مبرّرًا كالعشّار الّذي لم ير في ذاته سوى إنسان أنهكته الخطيئة وجاء طالبًا الرّحمة والخلاص. من هنا نفهم لماذا علّمنا الرّبّ يسوع صلاةً واحدةً وحيدة، هي الصّلاة الرّبّانيّة، الّتي نطلب فيها قائلين: “واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه”. لقد ربط الرّبّ خلاصنا بمعرفتنا لخطايانا الشّخصيّة والاعتراف بها طلبًا للمغفرة والرّحمة، وبكيفيّة تعاملنا مع أخينا الإنسان، فصار الآخر مدخلنا إلى الملكوت، الأمر الّذي غاب عن بال الفرّيسيّ المتزمّت والمتعلّق بالحرف لا بالرّوح.

يا أحبّة، نحن لا نرى حولنا في هذا البلد إلّا مسؤولين فرّيسيّين يتلطّون خلف حجّة تطبيق القوانين الّتي طوّعوها لمصالحهم، لكنّهم في الواقع يقهرون شعبًا بكامله. على أولئك أن يتذكّروا أنّ خلاصهم مرتبط بخلاص إخوتهم، أبناء شعبهم، وأنّ القوانين وضعت لتحدّد الحقوق والواجبات، ولمحاسبة كلّ مقصّر ومجرم وهارب من العدالة.  

الواقع المرير الّذي نعيشه سببه الكبرياء والأنانيّة، أمّا المحرّك فهي الإرتباطات المشبوهة، والمصالح والمكاسب والانقسامات الطّائفيّة. نحن بحاجة إلى التّخلّص من بقايا صراعات قضت على سنوات من حياة اللّبنانيّين وأضاعت آمالهم، وإلى زرع بذار التّواضع والمحبّة والتّفاهم من أجل لبنان جديد قائم على الدّيمقراطيّة الحقيقيّة، مرتكز على المساواة والعدالة وقبول الآخر واحترامه. الكلّ سينقضي لكنّ الوطن باق. هل نريده أشلاء وطن يضمحلّ مع الزّمن، أم نريده برعمًا لمستقبل يعد بالإشراق والإبداع؟

نحن بحاجة إلى العبور من الظّلمات إلى نور الحقيقة. والحقيقة أنّ التّعنّت والمكابرة والحقد وتصفية الحسابات لم توصلنا إلّا إلى التّراجع والانهيار. حان وقت التّعقّل والتّواضع والعودة إلى الدّستور الّذي وحده ينظّم حياتنا، وليقم كلّ مسؤول وزعيم ومواطن بواجبه من أجل إنقاذ هذا البلد، كي لا نبكي عليه لاحقًا لأنّنا لم نحسن الحفاظ عليه. لذلك أقول للجميع: أتركوا خلافاتكم وتخلّوا عن مصالحكم وتكاتفوا بتواضع ومحبّة. الظّرف الّذي نعيشه استثنائيّ، وفي الظّروف الاستثنائيّة نحتاج قامات وطنيّة. نحن بحاجة إلى الحزم في تطبيق القوانين لكي لا يستقوي أحد، فلا يفلت فاسد أو مستغلّ أو معطّل للعدالة أو مهرّب أو مستبدّ أو مضارب يساهم في انهيار اللّيرة أكثر فأكثر وفي جوع النّاس أكثر. نحن نعيش في اهتراء سياسيّ وأخلاقيّ مقلق. إستشراء الفوضى والفساد، وانهيار اللّيرة، وازدياد السّرقة كلّها عوامل تدلّ على حجم الخطورة الّتي بلغها الوضع. ولكي تستقيم الأمور نحن بحاجة إلى انتخاب رئيس في أسرع وقت ممكن.  

كيف يتقاعس المجلس النّيابيّ، المؤتمن على تطبيق الدّستور، عن انتخاب رئيس؟ وما هي مصلحة المعطّلين؟ هل يخدم الفراغ أحدًا. وهل يعلي الانهيار شأن أحد في عيون المواطنين؟ هذا الصّراع بين من يريد تطبيق الدّستور بحذافيره ومن يفسّر الدّستور بحسب مصلحته يجب أن ينتهي، وعلى النّوّاب أن يتخطّوا خلافاتهم، والقيام بواجبهم حفاظًا على ثقة الشّعب وعلى دور المجلس النّيابيّ.

صلاتي أن يلهم الرّبّ قادة هذا البلد لينصرفوا إلى البنيان، بنيان الثّقة بالدّولة وفرض هيبتها، بنيان المؤسّسات وتفعيل دورها، خاصّةً الرّقابيّة منها، من أجل فرض المحاسبة وعدم إفلات أيّ مجرم أو مذنب من العقاب، وأخيرًا بنيان المواطن على احترام وطنه والانتماء إليه وحده والعمل من أجله، بنيانه على المحبّة والتّسامح وعدم المساومة ورفض الولاءات الحزبيّة والطّائفية على حساب الولاء للوطن.

دعوتنا اليوم أن نهرب من تشامخ الفرّيسيّ، ونتعلّم من اتّضاع العشّار، حتّى نستحقّ الوصول إلى فرح القيامة البهيّ، الّذي سلبته منّا الكبرياء، أمّ الخطايا، منذ سقوط آدم الأوّل، آمين”.

بعد القدّاس، ترأّس عوده صلاة الجنّاز لراحة نفس المرحومة شادية تويني بمناسبة مرور أربعين يومًا على وفاتها. وقد بدأ صلاة الجنّاز بالكلمة التّالية:

“يا أحبّة، سوف نصلّي الآن من أجل راحة نفس امرأة فاضلة، عاشت التّواضع والمحبّة بلا حدود. شادية تويني، المحبّة والحاضرة بخفر رافقت “أيّوبها”، المرحوم غسّان، بكلّ صبر ووداعة، فكانت له ملجأً حصينًا عند هبوب رياح الأحزان، وما كان أكثرها، وسندًا منيعًا في سائر لحظات حياته الّتي لم تكن سهلةً ولا خاليةً من التّحدّيات.  

شادية لم تحبّ الشّهرة والأضواء، بل عاشت في ظلّ سنديانة شامخة، ولطالما أرادت أن يبقى حبيبنا غسّان ونهاره في بقعة الضّوء، فيما انصرفت هي إلى تغذية النّاس فكريًّا، بعيدًا عن الأضواء، عبر المكتبة الّتي اهتمّت بشؤون إدارتها، إلى جانب اهتمامها بعائلتها والأصدقاء بتواضع ومحبّة وابتسامة لم تغادر ثغرها مهما قست الظّروف، حتّى عندما أصابها المرض.  

شادية الوديعة تقبّلت آلامها بصبر وشجاعة، ولم تفقد يومًا الأمل ولا الإيمان. لعلّ إيمانها العميق الّذي تشاركته مع غسّان، هو الّذي منحها الصّبر الجميل على أوجاعها. وفي كلّ مرّة كانت تتغلّب على المرض، كانت شاكرةً ربّها على نعمة الصّحّة، وعلى سائر النّعم الّتي غمرها بها.

سوف نرفع الصّلاة معًا من أجل أن يغمرها الرّبّ بحنانه ويسكنها في فرحه الّذي لا يزول. أمّا ذكراها الطّيّبة فباقية في قلب كلّ من عرفها، وحضورها الرّاقي سيبقى علامةً على مرورها في حياتهم”.

‫شاهد أيضًا‬

المحبّة

واحدة من القيم الأساسية التي ترتكز عليها الكتاب المقدس هي المحبة. تعتبر المحبة مفهوماً مرك…