مايو 23, 2022

عوده للنّوّاب الجدد: لا تخذلوا من انتخبوكم وكونوا على مستوى المسؤوليّة!

تيلي لوميار/ نورسات

عوده للنّوّاب الجدد لا تخذلوا من انتخبوكم وكونوا على مستوى المسؤوليّة!

ترأّس متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عوده، صباح الأحد، خدمة القدّاس الإلهيّ في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس.

بعد قراءة الإنجيل المقدّس ألقى عظة جاء فيها: “أحبّائي، تخصّص كنيستنا المقدّسة الأحد الرّابع بعد الفصح للمرأة السّامريّة الّتي التقى بها الرّبّ عند البئر وطلب منها ماءً ليشرب، فاصطادها نحو ماء الحياة الّذي لا ينضب.

إذا انطلقنا من إسم المدينة الّتي توقّف فيها الرّبّ يسوع لكي يرتاح، نفهم المغزى من ذهابه إلى هناك. “سوخار” تعني “المشتراة”. هذه الأرض اشتراها يعقوب من أجل البئر الّتي فيها، وحارب من أجلها مدافعًا، ثمّ أهداها لابنه يوسف (تك 48: 22). أراد الرّبّ، من خلال هذه الأرض “المشتراة” و”المهداة” أن يفهمنا أنّه أتى إلى الأرض ليشترينا بدمه الكريم، ويهدينا الحياة الأبديّة والخلاص ومغفرة الخطايا، الأمور الّتي تمّت مع المرأة السّامريّة، ومن خلالها مع قومها الّذين دعتهم ليسمعوا كلام الرّبّ.

تعجّبت المرأة السّامريّة من أنّ رجلًا يهوديًّا يتحدّث إليها، لأنّ اليهود ينظرون إلى السّامريّين نظرةً دونيّةً، فلا يخالطونهم كي لا يتنجّسوا. السّامريّة كانت تعرف العادات جيّدًا وتسعى للمحافظة على النّاموس، لم ترد أن تتحدّث مع يسوع فقالت له: “كيف تطلب أن تشرب منّي وأنت يهوديّ وأنا امرأة سامريّة؟” لكنّ يسوع انتقل من الحديث عن الماء الطّبيعيّ إلى الحديث عن ماء الحياة. قال لها: “لو عرفت عطيّة الله ومن الّذي قال لك أعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حيًّا”. حاولت السّامريّة أن تفهم فسألت: “ألعلّك أعظم من أبينا يعقوب الّذي أعطانا البئر وشرب منها هو وبنوه ومواشيه؟” أجابها يسوع،  متنازلاً إلى محدوديّة فكرها الإنسانيّ لكي يرفعها إلى سمّو أفكاره: “كلّ من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا، وأما من يشرب من الماء الّذي أنا أعطيه فلن يعطش إلى الأبد”.

لقد عيّدنا يوم الأربعاء الماضي لنصف الخمسين، وسمعنا في الإنجيل قول الرّبّ: “إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حيّ” (يو 7: 37-39)، وهذا القول إنّما تفوّه به دالًّاً على الرّوح القدس الّذي سيرسله بعد موته وقيامته وصعوده للجلوس عن يمين الآب. لقد رمى المسيح، صيّاد البشر، طعم الرّوح الحيّ، ليصطاد شخصًا، وبه اصطاد مجتمعًا كاملًا عندما تعرّف هذا الشّخص، أيّ السّامريّة، على طعم الماء الحيّ العذب، على نعمة الرّوح القدس المحيية، ولمّا ذاقت، لم تستطع سوى أن تطلب المزيد.

عندما تقبّلت السّامريّة المسيح فتح قلبها، ونطقت بالصّدق وكشفت حياتها الّتي كانت تسترها، ولم تعد تحسب حديث الرّبّ معها كحديث يهوديّ مع أمميّ، بل كماء يروي ظمأ روح تلتمس الخلاص من أشراك الخطايا الّتي تكبّلها. أصبح كلام المسيح بالنّسبة إليها كماء المعموديّة الّذي يطهّر الإنسان ويجعله جديدًا. يلفتنا قول الرّبّ يسوع للسّامريّة: “السّاجدون الحقيقيّون يسجدون للآب بالرّوح والحقّ، لأنّ الآب إنّما يطلب السّاجدين له مثل هؤلاء. الله روح، والّذين يسجدون له فبالرّوح والحقّ ينبغي أن يسجدوا”. الله لا يهتمّ لمكان السّجود ولا للذّبائح والتّقدمات والطّقوس الخارجيّة، بل لكيفيّة السّجود والعبادة، لأنّ السّجود الجسديّ لا معنى له إن كان القلب بعيدًا عن الله والأفعال مخالفةً لوصاياه. ألا يذكّرنا هذا بما يحصل عندنا؟ معظم الزّعماء يتسابقون على الخطابات والوعود وعلى الصّراخ أيضًا الّذي لا يجدي نفعًا بل يظهر حالة الضّعف عند المتكلّم، أمّا الجوهر الّذي هو خدمة الشّعب فمفقود. حتّى النّوّاب الّذين انتخبهم الشّعب يتسابقون إلى العدّ والتّنافس متناسين أنّ النّائب المنتخب يمثّل الشّعب كلّه، لا فئةً محدّدةً منه فقط، مثلما لم يتجسّد المسيح لخلاص فئة محدّدة من النّاس بل كلّ الخليقة. وكما أنّ خلاص المسيح هو للجميع، كذلك يكون النّائب المسيحيّ أو غير المسيحيّ للجميع. أملنا أن لا يتلهّى المسؤولون بالمظاهر والقشور، فيما يجب افتداء الوقت والعمل على الإنقاذ الفوريّ لبلد يحتضر. نتمنّى أن يكونوا يدًا واحدةً تعمل بجهد وبخطًى سديدة من أجل الخروج من الظّلمة إلى النّور، ومن التّعثّر إلى النهوض. يقول الرّبّ على لسان الرّسول بولس: “تنافسوا في المواهب الفضلى وأنا أريكم طريقًا أفضل” (1كو 13: 31). كذلك يقول الرّسول بولس لتلميذه تيطس: “أمّا المباحثات الغبيّة والأنساب والخصومات والمنازعات النّاموسيّة فاجتنبها لأنّها غير نافعة وباطلة” (3: 9). ونحن، قبل أن نبدأ القدّاس الإلهيّ، نقول: “ها وقت يعمل فيه للرّبّ”.

أمّا في لبنان، وقد حصلت الانتخابات وقال الشّعب كلمته، ومع أنّنا كنّا نتمنّى أن تكون الحماسة للانتخابات بمستوى الكارثة الّتي ألمّت باللّبنانيّين، ويكون الإقبال على التّعبير عن الرّأي بحجم الغضب واليأس،  فينبغي أن يعمل الجميع بحسب قلب الله، أن يعملوا للرّبّ من خلال شعبه، إخوته هؤلاء الصّغار، الّذين أوكلوا مهمّة رعايتهم مدّة أربع سنين. أملنا ألّا يضيّعوا الوقت ويشحنوا النّفوس بذبذبات الكره والحقد، بل أن يتخطّوا أنانيّتهم ويحاولوا إرساء مفاهيم المحبّة المسيحيّة، وأن يتقبّلوا الرّبّ فاعلًا فيهم ومن خلالهم، مثلما حدث مع المرأة السّامريّة الّتي، بعد أن تعرّفت على الحقّ في شخص الرّبّ يسوع تركت جرّتها وانطلقت تبشّر أهل مدينتها.

فيا أيّها النّوّاب، أملنا أن تعملوا وفق الدّستور على بناء دولة ديمقراطيّة عادلة تحترم جميع  الحقوق وتلزم الجميع بالواجبات، وعلى فصل السّلطات وتحصين القضاء ليكون مستقلّاً وفاعلاً، وعلى التّصدّي لتعطيل المؤسّسات، وعلى معالجة النّزف الاقتصادي والاهتمام بوجع النّاس وآلامهم، وعلى كشف حقيقة تفجير بيروت بعيدًا عن المساومات والتّسويات وطمس الحقائق. لا تسكروا بالسّلطة ولا تدعوا مرض التّسلّط يصيبكم. كونوا صوت من انتخبكم ويعلّق عليكم الآمال.

نحن نصلّي لجميع من اختارهم الشّعب اللّبنانيّ ممثّلين له في النّدوة البرلمانيّة، ونصلّي من أجل أن يكونوا واعين مقدار المسؤوليّة الملقاة على عاتقهم. العمل يجب أن يكون حثيثًا، من دون أيّ تضييع للوقت في خطابات رنّانة فارغة من النّتائج العمليّة. أنظار الشّعب اللّبنانيّ، والعالم أجمع، شاخصة نحوكم ونحو طريقة عملكم، فلا تخذلوا من انتخبوكم. شعبنا عبّر إن بصمته أو بصوته، فاسمعوا الإثنين وكونوا على مستوى المسؤوليّة، من أجل بلدكم لبنان، لا من أجل حزبكم أو تيّاركم أو حركتكم، أو طائفتكم لأنّ الشّعبيّة تخفت أو تزداد، لكنّ الوطن هو الّذي يبقى ملجأً لجميع أبنائه.

دعوتنا اليوم، أن نتقبّل المسيح كما تقبّلته السّامريّة، المدعوّة “فوتيني”، أيّ “منيرة”، الّتي بعدما كانت مظلمةً بالخطايا، أصبحت مصباحًا مشعًّا للجميع، جالبًا إيّاهم نحو الينبوع الحيّ الّذي لا يفرغ، حتّى يحصلوا هم أيضًا على نعمة الرّوح القدس المحيية، آمين.”

‫شاهد أيضًا‬

سوريا الكاردينال زيناري: “٩٠% من السكان يعيشون تحت مستوى الفقر”

سوريا الكاردينال زيناري: “٩٠% من السكان يعيشون تحت مستوى الفقر” – Vatica…