عيد ارتفاع الصليب المقدس

الخوري كامل كامل

الاثنين ١٤ أيلول ٢٠٢٠

عيد ارتفاع الصليب المقدس

“إنْ كانَتِ الحَـبَّةُ مِنَ الحِنطَةِ لا تقَعُ في الأرضِ وتَموتُ، تَبقى وَحدَها. وإذا ماتَت أخرَجَت حَبّا كثيرًا”

انجيل القديس يوحنا ١٢ / ٢٠ – ٣٢

“وكانَ بَعضُ اليونانيّـينَ يُرافِقونَ الذينَ صَعِدوا إلى أُورُشليمَ لِلعبادَةِ في أيّامِ العيدِ. فجاؤُوا إلى فيلُبُّسَ، وكانَ مِنْ بَيتِ صيدا في الجليلِ. وقالوا لَه يا سيِّدُ، نُريدُ أنْ نرى يَسوعَ. فذَهَبَ فيلبُّسُ وأخبَرَ أندراوُسَ، وذهَبَ فيلبُّسُ وأندراوُسُ وأخبَرا يَسوعَ. فأجابَهُما يَسوعُ جاءَتِ السّاعةُ التي فيها يتَمَجَّدُ ا‏بنُ الإنسانِ.

الحقَّ الحقَّ أقولُ لكُم إنْ كانَتِ الحَـبَّةُ مِنَ الحِنطَةِ لا تقَعُ في الأرضِ وتَموتُ، تَبقى وَحدَها. وإذا ماتَت أخرَجَت حَبّا كثيرًا. مَنْ أحبَّ نَفسَهُ خَسِرَها، ومَنْ أنكَرَ نَفسَهُ في هذا العالَمِ حَفِظَها للحَياةِ الأبديَّةِ. من أرادَ أنْ يَخدُمَني، فليَتْبَعْني، وحَيثُ أكونُ أنا يكونُ خادِمي. ومَنْ خَدَمَني أكرَمَهُ الآبُ.

الآنَ نَفسي مُضطَرِبَةٌ، فماذا أقولُ هَلْ أقولُ يا أبـي، نَجِّني مِنْ هذِهِ السّاعةِ ولكنِّي لِهذا جِئتُ. يا أبـي، مَجِّدِ ا‏سمَكَ فقالَ صوتّ مِنَ السَّماءِ مَجَّدتُهُ وسأمَجِّدُهُ. 

فسَمِعَهُ الحاضِرونَ، فقالوا هذا دَوِيُّ رَعدٍ وقالَ بَعضُهُم كَلَّمَهُ مَلاكٌ. فقالَ يَسوعُ ما كانَ هذا الصوتُ لأجلي، بل لأجلِكُم. اليومَ دَينونَةُ هذا العالَمِ. واليومَ يُطرَدُ سيِّدُ هذا العالَمِ. أَنَا إِذَا رُفِعْتُ عَنِ الأَرض، جَذَبْتُ إِليَّ الْجَمِيع “


التأمل: “إنْ كانَتِ الحَـبَّةُ مِنَ الحِنطَةِ لا تقَعُ في الأرضِ وتَموتُ، تَبقى وَحدَها. وإذا ماتَت أخرَجَت حَبّا كثيرًا”

يا سيِّدُ، نُريدُ أنْ نرى يَسوعَ… هكذا “طلب بَعضُ  اليونانيّـين” من فيلبس، وانتظروا أن يعود ويرشدهم إلى المكان الذي يجلس فيه ويستقبلهم…

أظن أنهم انتظروا كثيراً!!! لأن فيلبس أخبر أندراوس، فهو كان في حيرة من أمره، فقد سمعه مرةً يقول أن طيور السماء وثعالب الارض تملك مكاناً تلجأ إليه، وهو لا يملك حجراً يتكىء عليه!!!

وعندما سمع فيلبس وأندراوس جواب يسوع أظن أنه فكّر كثيراً قبل العودة إلى اليونانيين، هذا إذا عاد!! وإذا رجع ماذا سيخبرهم؟ أين يمكنهم رؤية المعلم؟

أجابهما يسوع بكل صراحة:” من يريد رؤيتي فليأتي إلى الصليب، سأكون معلقاً هناك في انتظاره”… هل عرف فيلبس وأندراوس عنوان يسوع؟؟

طلب التلميذان موعداً من يسوع فأجابهما: “جاءَتِ السّاعةُ التي فيها يتَمَجَّدُ ا‏بنُ الإنسانِ” كأنه يقول أن “ساعتي هي الصليب، فيها وعليها أضبط الاوقات والمواعيد، فالصليب مسكني وعرش مجدي، عرش مجد ابن الانسان والإنسانية…”

طلبا موعداً فأجابهما:”إنْ كانَتِ الحَـبَّةُ مِنَ الحِنطَةِ لا تقَعُ في الأرضِ وتَموتُ، تَبقى وَحدَها” كأنه يقول لهما:” من أراد رؤيتي فليسلك طريق الحب ليجده ومتى وجده وجدني لأني أنا هو”

أنا تلك الحبة من الحنطة التي دفنت في وقت الزرع لتعطي الثمار الوفيرة زمن الحصاد…

أنا الحياة التي ذاقت الموت لتحمل الحياة للمائتين…

تجدوني هناك على صليب كل جلجلة أضحي بنفسي من أجل أحبائي…

تجدوني بالفتاة التي انسلخت عن أهلها، تاركة وراءها كل شيء لتربح الامومة، وتعطي نعمة الحياة لاطفالها، ومن ثم تذوب هي لينموا هم.

تجدوني بالشاب الذي يعمل ليلاً نهاراً ليقيم له منزلاً ويؤسس عائلةً، فيصبح والداً يضحي بذاته، يخسر أنانيته، ينكر نفسه.. فيربح الحياة له ولاولاده.

تجدوني بالجندي الذي يحمل “دمه على كفيه” ليروي تراب بلاده فتنبت الحرية بعد أن يدوس المستحيل لحمايتها…

تجدوني بالمعلمة التي تحنو على تلميذٍ خسر والدته، فتغمره كل صباح وترسم على وجهه ابتسامة مشرقة تنير ظلمة واقعه المرير، وتهيئه ليمشي واثقاً دروب المستقبل المشرق…

تجدوني بالطبيب الذي يقوم من فراشه راضياً بعد منتصف الليل ويسرع لنجدة مريض شارف على الموت، يعالجه ويعود إلى فراشه دون أن يأخذ أجراً، فيغفو مطمئناً على صحته، وما هي إلا دقائق حتى يستيقظ ويسرع لنجدة مريض آخر…

تجدوني بالراهبة التي تمسح دموع إمرأة مسنّة، انتظرت عودة أبنائها لرؤيتها يوم العيد..

تجدوني بالكاهن الذي يحمل صليبه كل يوم ويصعد جلجلة العالم ويجعل من نفسه ذبيحة لخلاصهم….

أظنّ أن فيلبس وأندراوس سمّرا نظرهما في يسوع وهو “يُرفع عَنِ الأَرض، ليجذُب إِليه الْجَمِيع” وربما لازال من يبحث عن يسوع خارج الصليب ينتظر خارجاً!!!

  أيها الرب يسوع يا من اخترت الصليب بارادتك، علمنا أن نحمله ونزهد بنفوسنا كل يوم ونتبعك،أعطنا القوة لنحتمله بطيبة خاطر ونصبر على الاعباء الثقيلة والمحن الكثيرة. ساعدنا أن نموت عن ذاتنا لنحيا فيك.آمين

عيد مبارك

الخوري كامل كامل