مارس 19, 2024

عيد القدّيس يُوسف البار، شفيع الكنيسة الجامِعة

القدّيس يُوسف البار

بقلم : الأب فارس سرياني – الأردن

﴿البارُّ كَثيرَةٌ مَصائِبُهُ والرّبُّ مِن جَميعها يُنقِذُهُ﴾ (مز 20:34)

﴿جَلَدَني اليَهودُ خَمسَ مَرَّات، ضُرِبتُ بِالعِصِيِّ ثَلاثَ مَرَّات… أَخطَارٌ مِنَ اللُّصوص، أَخطارٌ مِن بَني قَومي، أَخطارٌ مِنَ الوَثنِيِّين، أَخطارٌ مِنَ الإِخوَةِ الكَذَّابين. جَهْدٌ وكَدّ، سَهَرٌ كَثير، جُوعٌ وَعَطَش، صَومٌ كَثير، بَرْدٌ وعُرْيٌ، فَضْلًا عَنْ سَائرِ الأُمورِ مِنْ هَمِّي اليَومِيِّ، والاِهتِمامِ بِجَميعِ الكَنائِس﴾ (2قور 24:11-28).

أَيُّهَا الأحِبَّاءُ في الْمَسيحِ يَسوع، ونحنُ نَحتَفِلُ اليَومَ بِعيدِ القِدّيسِ يُوسُف، شَفيعِ الكَنيسةِ الجامِعَةِ وحَامِيهَا، اِرْتَأيتُ أَنْ اسْتَهِلَّ عِظَتي بهذِهِ الكَلِمَاتِ لِلرَّسُولِ بولس، مِنْ رِسَالتِهِ الثَّانيةِ إلى أَهلِ قُورنتوس، كَيفَ أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِمَخَاطِرَ جَسِيمَةٍ ولِصُعوبَاتٍ جَمَّة، في سَبيلِ خِدمَةِ الكَنيسَةِ والبِشَارَة. ومَع ذَلِكَ، أَنقَذَهُ اللهُ مِنهَا جَميعًا، وشَدَّدَهُ وقَوُّاهُ بِنعمَتِه، حَتّى لا يَنكَسِرَ ولا يَنهَزِمَ أَمَامَهَا، ويَبْقَى أَمِينًا لخدمَةِ الإيمان.

ونَحنُ نَعلَمُ أَنَّ القِدّيسَ يُوسُفَ البار، الرَّجُلَ العَفيفَ الْمُستَقيم، مَنْ يَتَّقي اللهَ ويَعبُدُهُ عِبَادَةَ حَقّ، ويَأبَى أنْ يُلْحِقَ ضَرَرًا بالنَّاس، حَتّى بالرَّغمِ مِنْ عِلْمِهِ وعَدَمِ فَهمِهِ لِحَملِ مَريم ﴿قَبلَ أنْ يَتَساكَنا﴾ (متّى 18:1)، نَعلَمُ أَنَّهُ هُوَ أيضًا قَدْ تَحمَّلَ كَثيرًا مِنَ الآَلام، واختَبَرَ العَناءَ والْمَشَقَّة، واجتَازَ عَقَبَاتٍ ومَرَّ بِصُعُوبَاتٍ، في سَبيلِ الحِفَاظِ عَلَى مَريمَ العَذراء، ومَنْ حَلَّ في حَشَاهَا الطَّاهِر، بِقُدرَةِ الرُّوحِ القُدس، كَلِمَةِ اللهِ يَسوعَ الْمَسيح، مُتَمِّمًا إِرَادَةَ اللهِ بِأَمَانَةٍ، بالرَّغمِ مِن كُلِّ مَا أَصَابَه. وهَذَا يُذَكِّرُنا بِكَلِمَاتِ الْمَزمورِ الرَّابِعِ والثَّلاثين: ﴿البَارُّ كَثيرَةٌ مَصَائِبُهُ، والرَّبُّ مِنْ جَميعِهَا يُنْقِذُهُ. يَحفَظُ عِظَامَهُ كُلَّهَا، فَلا يَنكَسِرُ واحِدٌ مِنْهَا﴾ (20:34-21).

واليَومَ يَا أَحِبّة، كَنِيسَتُنَا الجَامِعَةُ تَتَعَرَّضُ لِوَابِلٍ مِنَ الأخْطَارِ تَجتَاحُهَا، وكَأَنَّهَا رِيحٌ عَاصِفَةٌ تَتَلاطَمُهَا وتَكَادُ تَبْتَلِعُهَا، مُدْخِلَةً في نُفُوسِنَا الاضطِرَابَ والشَّكّ! ولَعَلَّ صَوتَ الرَّبِّ يُخاطِبُنَا مُوبِّخًا، وفي نَفسِ الوَقتِ مُطَمْئِنًا ومُعزِّيًا، مِثْلَمَا خَاطَبَ تَلامِيذَهُ وَسَطَ البَحرِ الْمَائِج: ﴿مَا لَكُم خَائِفينَ هَذا الخَوف؟ أَ إلى الآنَ لا إيمانَ لَكُم؟﴾ (مرقس 40:4). وبِهَذا الإيمانِ وبهِذهِ الثِّقَة، وبالرِّغِمِ مِنَ الخُطوبِ والشَّدَائِدِ والضِّيقَات، نَبْتَهِلُ مَع صَاحِبِ الْمَزاميرِ قَائِلين: ﴿لا نَخشَى إِذَا الأرضُ تَقَلَّبَت، والجِبَالُ في جَوفِ البَحرِ تَزَعزَعَت. إذا عَجَّت مِياهُهَا وجَاشَت. رَبُّ القُوَّاتِ مَعَنَا، إلهُ يَعقوبَ حِصنٌ لَنَا﴾ (مزمور 3:46-4).

وكَمَا أنَّ يُوسُفَ ابنَ يَعقوب، مَنْ بَاعَهُ إخوَتُهُ إلى مِصرَ غَدرًا، قَدْ أَسهَمَ في إنقَاذِ بَيتِ أَبيهِ وشَعبِه، مِنْ خَطرِ الْمَجَاعَةِ الْمُحدِقِ بهم. فَكَذَلِكَ نَحنُ نَلتَمِسُ شَفَاعَةَ القِدّيسِ يُوسُفَ ابنِ يَعقوب، زَوجِ مَريمَ الّتي مِنهَا وُلِدَ الْمَسيح، أَنْ يحمِيَ بَيتَ اللهِ، ويَذودَ عَنِ الْمُؤمِنينَ الصَّادِقين، ويَدْرأَ الأخطَارَ الّتي تُهدِّدُ الكَنيسة.

نَحنُ بحاجَةٍ مَاسَّةٍ لِشَفَاعَتِهِ، كَي تُحَافِظَ الكَنيسَةُ الْمُقدَّسَة، وَمَنْ أَفرَدَهم اللهُ خُلَفَاءَ للرُّسُل، عَلَى سَلامَةِ العَقيدَةِ ونَقاَوِة التَّعليم، مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ وعَورَة. فَلا يَكادُ يَخفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الكَنيسَةَ تُواجِهُ اليومَ جُملَةً مِنَ التَّحَدّيَاتِ والأزَمَات، تُهَدِّدُ سَلامَةَ السَّفينَةِ ورَاكَبيهَا! وَعَليه، نحنُ بِحَاجَةٍ لِشَفَاعَةِ القِدّيسِ يُوسُف، مَنْ أَلْهَمَهُ اللهُ في الُحلم، ومَنْ ذَادَ وحَافَظَ عَلَى سَلامَةِ كَلِمَةِ اللهِ وأُمِّه القِدّيسَة، أَنْ يُلهِمَ القَديرُ أَصحابَ القَرارِ إلى مَا فيهِ خَيرُ الكَنيسة، والابتِعَادُ عَنْ كُلِّ خَطَئٍ وَشَطَط. وكُلُّنَا ثِقَةٌ وإيمانٌ بِكَلِمَاتِ الرّبِّ لِهامَةِ الرُّسُلِ بُطرس: ﴿وعَلَى الصَّخرِ هَذَا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَنْ يَقوَى عَليهَا سُلطانُ الْمَوت﴾ (متّى 18:16).

‫شاهد أيضًا‬

الخميس التاسع من زمن العنصرة

سفر أعمال الرسل 19-29.23-40:35  يا إِخوتي، في ذَلِكَ ٱلوَقْت، حَدَثَتْ بَلْبَلَةٌ كَبيرَةٌ…