نوفمبر 13, 2021

في ذكرى الواعظ الأبلغ…

تيلي لوميار/ نورسات - ريتا كرم

تحيي الكنيسة اليوم ذكرى القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ، هو من كان منارة شعّت قداسة وزهدًا وانبعثت منها شرارات الإصلاح والحقّ، الحكمة والمحبّة، التّجدّد والوحدة. هو البطريرك الّذي تفتّحت في عهده براعم السّلام المسيحيّ.

ولد القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ في أنطاكيا، والده وثنيّ توفّي بعد ولادته بقليل. فربّته والدته “زينة الأمّهات المسيحيّات الأنطاكيّات” على حبّ المسيح. تتلمذ بين الرّابعة عشرة والثّامنة عشرة من عمره على يد الفيلسوف  الأفلاطونيّ الجديد ليبانيوس، فتعلّم منه أصول الخطابة والآداب الإغريقيّة.

قَبِل بعدها سرّ العماد ومذّاك “لم يعرف القسم ولا افترى على أحد ولا تكلّم زوراً ولا لعن ولا حتّى سمح لنفسه بالمزاح”.

ظهرت في قلب يوحنّا رغبة في التّرهّب، فأقام في بيته راهبًا منقطعًا عن العالم متنسّكًا صارمًا لا يأكل إلّا القليل، يسهر، يصلّي، يصوم ويصمت. بعد وفاة أمّه انصرف جنوبًا إلى الجبال وأمضى فيها ستّ سنوات راهبًا وناسكًا متقشّفًا إلى أن اضطرّ بسبب البرد والأصوام والسّهر أن يغادر إلى أنطاكيا من أجل العلاج بعد أن أصيب في كليتيه ومعدته. غادر على أمل العودة لكنّه بتدبير من الله بقي في المدينة لأنّ حالته كانت مستعصية.

هناك نال سرّ الكهنوت وألقى يومها أولى مواعظه وبرز كأهمّ وأبلغ وأخصب واعظ في الكنيسة الجامعة المقدّسة. فأصلح وأدّب وعزّى على ضوء الإنجيل في مجتمع تسكنه الشّهوات ويستشري به الفساد. رعى الفقراء ودافع عنهم، نقل الإنجيل إلى العامّة بلغة يفهمونها، فقرعت الرّحمة باب الكثيرين وقتها وتهلّلت القلوب بالإيمان والتّوبة. باختصار، كان الوعظ بالنّسبة للذّهبيّ الفمّ شفاء، فما أن يفتح فمه حتّى يزول تعبه.

في 26 شباط/ فبراير من العام 398 م، جلس يوحنّا على عرش الكنيسة في القسطنطينيّة، وأحيط بمظاهر التّرف والغنى وعاش سنواته العشر الأخيرة بصراع مرير؛ غير أنّه التزم خطّ الفقر الإنجيليّ حتّى راح يزيل معالم التّرف من المقرّ الأسقفيّ.

تابع خلال أسقفيّته الاهتمام بالمرضى والمساجين وتعزية قلوب المضنوكين والمسحوقين. نظّم من وقت إلى آخر مسيرات صلوات وترتيل في شوارع المدينة تبدأ في الصّباح وتنتهي في المساء. أصلح أوضاع الكهنة والأساقفة.

واجه يوحنّا الكثير من الأعداء والخصومات، فكثُرت محاولات نفيه وإبعاده علمًا أنّ الشّعب كان يدافع عنه ويطالب ببقائه، إلى أن نُفي وجرّه جلّادوه حتّى الموت ثلاث سنوات وثلاثة أشهر باتّجاه الحدود بين كيليكيا وأرمينيا. فعانى من الحرّ والبرد والمرض والإرهاق، تألّم وحمل أوجاعه في جسد ضعيف.

غير أنّه ثبت في إيمانه وكتب الرّسائل إلى أساقفة الشّرق والغرب والإكليروس فأوعز إليهم ضرورة الوقوف في وجه الوثنيّة والهرطقات ناصحًا إيّاهم في موضوعات عديدة. وما أن لمس المسؤولون تأثيره حتّى أمروا الجنود بمنع الرّسائل عنه وإرهاقه وتعذيبه، فأسلم الرّوح في 14 أيلول/ سبتمبر 407 م، وهو يلفظ كلماته الأخيرة: “المجد لله على كلّ شيء.”

‫شاهد أيضًا‬

“الله يسير مع شعبه” موضوع اليوم العالمي للمهاجرين واللاجئين ٢٠٢٤

“الله يسير مع شعبه” موضوع اليوم العالمي للمهاجرين واللاجئين ٢٠٢٤ – Vatic…