يناير 3, 2024

قراءة قانونية ورعوية في وثيقة الفاتيكان: منح البركة للمثليين – 2

قراءة قانونية ورعوية في وثيقة الفاتيكان: منح البركة للمثليين - 2

الأب د. ريمون جرجس-موقع ابونا :

المقدمة

في رسالة البابا بنديكتوس السادس عشر نقرأ بصيغة الإرادة الرسولية”fides per dectrinam” حيث تم تعديل الدستور الرسولي “الراعي الصالح”: “يحتاج الإيمان إلى المساندة بعقيدة قادرة على إنارة فكر المؤمنين وقلوبهم. إنَّ اللحظة التاريخية الخاصة التي نعيشها، والتي تتميز، من بين أمور أخرى، بأزمة إيمانية دراماتيكية، تتطلب وعي قادر على الاستجابة للتوقعات الكبيرة التي تنشأ في قلوب المؤمنين بسبب الأسئلة الجديدة التي تتحدى العالم والكنيسة. فالتعقل في الإيمان يتطلب دائمًا أن يتم التعبيرعن محتوياته بلغة جديدة قادرة على تقديم الرجاء القائم في المؤمنين للذين يسألون عن السبب (1بط 3، 15). إنَّ رسالة الكنيسة الخاصة هي الحفاظ على إعلان المسيح حيًا وفعالاً، وذلك أيضًا من خلال تقديم العقيدة التي يجب أن تغذي الإيمان بسر تجسد ابن الله الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي مات وقام من أجل خلاصنا. ويجب أن تفعل ذلك بدون تعب من خلال صيغ وأدوات مناسبة، لكي الذين يقبلون ويؤمنون بإعلان الإنجيل، أن يولدون من جديد لحياة جديدة من خلال المعمودية”.

الجدل الذي لا يزال حديثاً والذي أثارته التصريحات لصالح الاعتراف القانوني بالأزواج المثليين (وإن كان ذلك منفصلاً عن الزواج)، والذي أعلنه البابا فرنسيس في الوثيقة بركة الأزواج المثليين Fiducia Suplicans شهدت سلسلة من المواقف، وأعتقد أن هذه القضية أثارت أيضًا شكوكًا عامة لدى المؤمنين الكاثوليك والارثوذكس: لذلك رأيت أنه من المناسب اختيار السلطة التعليمية الكنسية كموضوع، من زاوية محددة للغاية، وهي موقف المؤمنين في مواجهة القرارات أو الإجراءات التي تتخذها السلطة التعليمية الكنسية وتوضح بشكل مختصر مضمون الوثيقة المذكورة أعلاه.

واقعياً، تحدّث الدستور المجمعي “في الوحي الإلهيّ” عن “التقليد المقدّس والكتاب المقدّس، اللذين يشكلان وديعة كلمة الله المقدّسة الواحدة التي أعطيت للكنيسة. وفي اللاهوت الكاثوليكي، فإنَّ الطابع الكنسيّ للإيمان يجب أن ينعكس بالضرورة والاستمرار، بالإشارة على السُّلطة التعليميّة. فالسُّلطة الكنيسة التعليميّة سلطة خدمة، لأنّ هذه السُّلطة ليست فوق كلام الله ولكنّها تخدمه، إذ إنها لا تُعلِّمُ إلا ما استلمته، بحيث أنّها بتكليفٍ من الله وبمعونةِ الروح القدس تُصغي إليه بتقوى وتحفظه بقداسةٍ وتعرضه بأمانةٍ. ومن وديعة الإيمان الواحدةِ هذه تنهلُ كل ما تقدّمهُ من حقائق يجبُ الإيمان بها كموحاةٍ من الله”.و لهذا السبب، يجب ألا تنفصل سلطة الكنيسة التعليميّة عن الكنيسة، فهي تعتبر مهمّة ووظيفة ترافقها المواهب في الجماعة ولأجل الجماعة. وعندما نتحدث عن “السلطة التعليمية”، فإننا لا نتحدث عن الوعظ العام أو دروس التعليم المسيحي: كل هذه الأعمال مهمة ولها محتوى عقائدي، بشكل واضح، ولكن الشرع الكنسيّ ينظمها في مكان آخر مقارنة بالقوانين اللاتينية 747-755 في الحديث عن السلطة التعليمية. والسبب في ذلك هو أنه يمكن الحديث عن نقل الإيمان بطريقتين (على الأقل): بالمعنى الواسع الذي بموجبه “الكنيسة، في عقيدتها، وفي حياتها وعبادتها تنقل كل ما تؤمن به” – وهنا، للتربية الكاثوليكية دور حيويّ بنقل الآباء الإيمان إلى أبنائهم، لدرجة أنهم يرتكبون جريمة قانونية إذا اختاروا، تعليمه في ديانة غير كاثوليكية (ق. 1366). فكل مؤمن له الحق في نقل الإيمان الذي تلقاه إلى الآخرين؛ وإن كان في كثير من الأحيان مجبرًا بشكل صارم على القيام بذلك بضميره، على الأقل ينقله وفقًا لقدراته وإمكانياته، لأن كل إنسان له الحق في تلقي إعلان الإنجيل؛ ولكن لا بد من سلطة مسؤولة عن سلامة هذه الرسالة، حتى لا تتشوه، عند انتقالها من يد إلى يد. وفي قانون الإيمان نسميّ الكنيسة “بالرسولية” لأنها تعترف بعقيدة الرسل كأساس لها، لذلك فإن هذا الدور يعهد به إلى أولئك الذين، في الفهم الكاثوليكي، هم خلفاءهم ويواصلون عملهم، أي الأساقفة الذين يخلفون الرسل كجماعة، والبابا الذي يخلف الرسول بطرس في مهمة محددة: وهي ضمان بقاء الأسقفية موحدة. جدّد المجمع الفاتيكاني الأوّل 18 تموز 1870 ما أقرّه وحدده مجمع فلورنسا المسكونيّ بخصوص الكرسيّ الرسوليّ المقدّس والحبر الرّوماني بأنّ لهما الأوّليّة على المسكونة كلها. فبواسطة الدّستور Pastor Aeternus، علم المجمع الفاتيكاني الأوّل أنّ المسيح منح الرّسول بطرس، الذي أمكنه بعثها لخلفائه، الميّزة الأوّلويَّة لكي يكون مبدأ وأساساً دائماً ومرئياً لوحدة الإيمان وشراكة الكنيسة جمعاء، وأن الحبر الرّوماني لديه السلطان الكامل لرعاية وإدارة وسياسة الكنيسة الجامعة. يتعامل القانون مع الأمر من خلال البدء بـ “واجب الكنيسة وحقها الطبيعي” في “التبشير بالإنجيل إلى جميع الشعوب” (ق. 747)، وهو ما يتوافق مع واجب كل إنسان في البحث عن الحقيقة والبقاء أمينًا لها.

هيئات السلطة التعليمية الكنسية هي البابا والأساقفة، أو الأسقف في أبرشيته، ولكنهم في شركة مع البابا؛ وجميع الأساقفة، المنتشرين في جميع أنحاء العالم، هم متحدون فيما بينهم ومع البابا، في الإيمان وتعليم عقيدة معينة؛ وفي اجتماع الأساقفة ولو بشكل ظاهر، في مجمع مسكوني يعقده البابا، أو على الأقل يوافق عليه لاحقاً في نتائجه؛ البابا نفسه، الذي يتصرف بشكل مستقل. لذلك، البابا والأساقفة وحدهم هم الذين يوجدون بموجب الحق الإلهي، وهم متلقون لمهمة حماية ونقل وديعة الإيمان. لذلك مؤتمرات الأساقفة يمكنها بالفعل أن تصدر وثائق في المسائل العقائدية، لكن كل أسقف يصوت عليها ويوافق عليها ويوقعها على أساس فردي بحت، دون أن يكون بمقدوره اكتساب سلطة أكبر من تلك التي يمنحها الموقعون الأفراد، ولا حتى إشراك الآخرين؛ وزنها الأكبر مقارنة بأعمال الأسقف الواحد هو كمي و/أو مقنع، وليس هرميًا ولا افتراضيًا”.

ومن ناحية أخرى اللاهوتيون، وأساتذة الجامعات في العلوم المقدسة… لا يتمتعون بسلطة السلطة التعليمية، التي تتكون على وجه التحديد من سلطة تعليم عقيدة (أو إدانة من يخالفها) مع الحق في المطالبة ليس فقط بالطاعة الخارجية، وليس فقط بما يسمى الرضوخ الصامت”، ولكنه موافقة داخلية حقيقية للعقل في الالتزام بما يتم تعليمه (ق.لاتيني 752). في هذا الصدد، نتحدث عن “عدم القابلية للتغيير”: لا يمكن للكنيسة أبدًا أن تفقد إحدى خصائصها الأساسية؛ بأن تعتنق الهرطقة والاعتراف بها. في السياق القانوني، يعد هذا واجبًا قانونيًا كما يُطلق عليه بشكل صحيح، وهو قيمة أساسية لذلك النظام. فإنَّ العصمة لا تنتمي إلى كل عضو في السلطة التراتبية بشكل فردي أو إلى عموم الأفعال. فيجب أولاً استبعاد الأفعال التي تشكل موضوعًا يسمى بشكل عام تأديبيًا، لتمييزه عن العقائدي: فالأفعال الخاصة بإدارة ممتلكات الكنسية، أو الإقرار بالقضايا الزواجية، أو منح التفسيحات من البابا أم الأساقفة يمكن أن يخطئوا… لأن خطأهم لا يجبر أحداً على الاعتقاد بأنه هو الصواب.

العصمة، كما أعلنها المجمع الفاتيكاني بكلام واضح وصريح، وكما ينتج ذلك من طبيعة الشيء نفسه، لا تعود إلاّ إلى صفة سلطان الحبر الأعظم التعليميّ، وسلطانه هذا هو في نطاق سلطة تعليم الكنيسة المعصوم نفسه، وهو مرتبط بمضمون الكتاب المقدس والتقليد كما بالمقررات العقائدية الصادرة سابقاً في تعليم الكنيسة. ففي ممارسة السلطان البابويّ لم يتغيّر شيء على الإطلاق”. لذلك، لا ينبغي الخلط بين العصمة والسلوك الشخصي. ولهذا السبب بالتحديد، فإن الأعمال التي يتم إجراؤها أثناء ممارسة منصب البابا، أو الأسقف، أو الأساقفة المجتمعين في المجمع هي فقط ذات الصلة؛ فالرسائل الشخصية، حتى ذات المحتوى العقائدي، وغيرها من التعبيرات المماثلة لا ينبغي اعتبارها سلطة تعليمية. في النهاية، القاعدة العامة هي أن “المؤمنون مطالبون بالالتزام” بتعليم البابا أو المجمع أو الأساقفة، “بقدر السلطة التي يملكونها ويعتزمون ممارستها”. توضح هذه النقطة المفهوم الرئيسي: البابا معصوم من الخطأ، بالمعنى التقني للعقيدة المحددة في المجمع الفاتيكان الأول، فقط عندما يتحدث أو يكتب باعتباره رئيس جميع المسيحيين؛ ليس عندما يفعل ذلك بصفته الشخصية أو حتى بصفته أسقف روما وحده. وهذه السلطة تتطلب إرادة محددة، وعلى وجه التحديد إرادة اتخاذ القرار بدون وجود أي شك. فإن الحد الأقصى من اليقين مطلوب (ق.749 البند 3). حتى في حالات السلطة التعليمية للكرسي الرسولي (ق. 752 و754)، تمتلك السلطة عصمة عملية تمنعها من اقتراح عقيدة أقل يقيناً؛ ولذلك، فهي تعتبر أن مجرد المعارضة الداخلية غير مشروعة، إلا في حالة وجود حجج جديدة، لم يتم فحصها مسبقًا، والتي سيتم بعد ذلك تقديمها بشكل تحفّظ إلى المسؤولين. وكلّ مؤمن أو كاهن أو أسقف، يحقّ له تقديم اعتباراته الخاصة إلى السلطة، وهي خدمة ثمينة للكنيسة، لكن يوصي بالطبيعة السرية لمثل هذه الاتصالات ولا يبدو أنه يترك مجالًا للمعارضة العامة، باستثناء ربما في سياق أكاديمي بحت. هنا نتحدّث عن اللاهوتي، الذي يجب أن يتمتع بالكفاءة التي تجعله، في الوقت نفسه، أكثر موثوقية، فهو يتمتع بموجب القانون اللاتيني 218، “الحرية الصحيحة” التي يمكن أن تسمح له أيضًا البدء بالقول “يبدو أن الله غير موجود”، بشرط أن يصل بعد ذلك إلى النتيجة المعاكسة؛ لكن المجال الأكاديمي شيء والحياة اليومية شيء آخر.

ومن ناحية الأخرى، يوحّد القانون اللاتيني 212 البند 1 تحت تسمية مشتركة للطاعة المسيحيَّة، القبول ما يعلنه الرعاة المقدّسين كمعلميّن للإيمان والمحافظة على ما يصدرونه كرؤساء كنيسة. في الواقع، أمام التعليم والتنظيم اللذين يصدرهما الرعاة المقدّسين، يكون موقف المسيحيّ الأساسيّ في الاحتضان بتواضع ما يره من خلال الإيمان القائم على أساس سلطة المسيح نفسه، الرأس الوحيد للكنيسة بالمعنى الكامل. ومع ذلك، تظل إمكانية التعبير عن احتياجات الفرد الشخصية للكهنة. البند 2 من القانون 212 ينشئ نوعًا من الحصانة : “integrum est” “يحق للمؤمنين أن يعبرّوا لرعاة الكنيسة عن احتياجاتهم، لا سيما الروحيَّة، وعن تطلعاتهم”. دون المساس بسلامة الإيمان والعادات واحترام الرعاة، آخذين في الاعتبار أيضًا الخير المشترك للناس وكرامتهم، وإعلانها للمؤمنين الآخرين.

1- اختصاص المجمع العقيدة والإيمان

مجمع العقيدة والإيمان من دوائر الكوريا الرومانيَّة يُعتبر جسماً مساعداً للسلطة التعليميّة الكنسيّة العليا بوكالة خاصّة من الحبر الروماني نفسه. ويحتل مجمع العقيدة والإيمان موقعاً خاصّاً داخل الكوريا الرومانية، لأن له طابعاً إداريّاً: “ويتميز عن مختلف مجامع الكوريا الرومانية، وفقا لطبيعته، وخاصة لسببين: في بعض المسائل، يتوقف عن أن يكون هيئة إدارية، كي يتولى وظيفة محكمة قضائية فقط في الأمور المنصوص عليها في المادة 52 من دستور الراعي الصالح، وهو جهاز الكرسي الرسولي الذي يصدر قواعد تنظيمية، تمس عتبة هيئة تشريعية. فهذه القواعد الصادرة عن هذا المجمع لها قوة تشريعية حتى وإن اتخذت صيغة قرارات عامّة تنفيذية فهو يصبح جهاز السلطة التنفيذية لها قيمة. ومجمع العقيدة والإيمان يصدر قواعد ليس لها طابع تنفيذي لقوانين إيجابية محددة.

حدّد البابا الطوباوي بولس السادس من جديد صلاحيات وهيكليَّة المجمع وغيّر اسمه “مجمع العقيدة والإيمان” بواسطة الإرشاد Integrae servandae بتاريخ 7 كانون الأوّل 1965.  “وأعطت له معالجة شؤون أكثر أهميّة في الكوريا الرومانيَّة، وهي حقيقة عقيدة الإيمان والأخلاق والقضايا المرتبطة ارتباطا وثيقا بهذه العقيدة”. يفحص المجمع على وجه التحديد، “المذاهب الجديدة والآراء الجديدة، التي نشرت؛ يعزز دراسات بشأن هذه المادّة، ويشجع على مؤتمرَّات ويدين المذاهب التي يبدو أنها تتعارض مع مبادئ الإيمان، بعد ذلك، الاستماع إلى آراء الأساقفة والمعنيين في تلك المناطق”.

قدّم البابا الطوباوي بولس السادس في الدستور الرسوليّ حول الإصلاح العام للكوريا الرومانيَّة Regimini Ecclesiae Universae بتاريخ 15 آب 1967 تعريفاً موجزاً عن الدائرة، مؤكدا ما قاله في السابق ويلخص اختصاص المجمع بكلمة “حماية”: “إنّ من واجب المجمع المقدس لعقيدة الإيمان حماية عقيدة الإيمان والأخلاق في جميع أنحاء العالم الكاثوليكي”. لذلك، فإن الوثائق والقرارات التعليميّة من مجمع عقيدة الإيمان، المعتمدة صراحة من قبل البابا، ذات طبيعة تعليميّه، وتتمتّع بالمشاركة مع المهمّة التعليميّة للحبر الروماني في التعزيز والسهر على وديعة الإيمان، من خلال إصدار وثائق.

بموجب الدستور الرسوليّ “الراعي الصالح”، بتاريخ 28 حزيران 1988 (المادّة 48): “فإنَّ مهمّة مجمع عقيدة الإيمان هي تعزيز وحماية عقيدة الإيمان والأخلاق في جميع أنحاء العالم الكاثوليكي: وبالتالي فمن ضمن اختصاصه كل ما يمس بأي شكل من الأشكال هذه المادّة”. وهو المحكمة: “يحكم بالجرائم ضدّ الإيمان والجرائم الأكثر خطورة التي ارتكبت سواء ضدّ الأخلاق أو خلال الاحتفال بالأسرار”(المادة 52).  نلاحظ أنَّ الدستور ينصّ صراحة على أن مهمّة المجمع ليس فقط الدفاع والحماية، كما في الماضي، إنَّما أيضاً تعزيز الإيمان. ويوضّح أن تعزيز تعقل الإيمان يجب أن يتمّ عبر العلاقة مع “مشاكل جديدة ناجمة عن التقدّم العلميّ أو الحضارة”، ويجب أن تكون قادرة على إعطاء الإجابة على ضوء الإيمان (المادّة 49). ويكمل الدستور “الراعي الصالح” موضّحا: “بهدف حماية حقيقة الإيمان والاخلاق، يلتزم بأن لا يتعرض الإيمان والاخلاق للضرر بسبب أخطاء نشرت” (مادّة 51).

البابا بنديكتوس السادس عشر، في بداية حبريته، رسم بعض الخطوط الأساسية فيما يتعلق بطبيعة دائرة العقيدة والإيمان والتزامها. في 10 شباط 2006، في ختام الجلسة العامة للدائرة، ألقى خطابًا عقائديًا مهمًا حول هوية الدائرة وأولوياتها، موضحًا ما تعنيه عبارة “تعزيز الإيمان وحمايته” وما هو حقيقة مصدر هذا الالتزام السامي والمتطلب: «في حياة الكنيسة، للإيمان أهمية جوهرية، لأن الهبة التي يقدمها الله لنفسه في سفر الرؤيا هي هبة أساسية، وهبة الله هذه موضع ترحيب في الإيمان. من هنا تظهر أهمية المجمع الذي، في خدمته للكنيسة جمعاء، وخاصة للأساقفة، كمعلمي الإيمان ورعاة، مدعو بروح الجماعة، إلى أن نؤيد ونذكّر بدقة بمركزية الإيمان الكاثوليكي، في تعبيره الأصيل.

يمكننا أن نلمح في هذه الكلمات شرحًا مهمّاً لتعريف الدائرة، والذي يسلط الضوء على مركزيتها في جميع أعمال الكنيسة وحياتها ورسالتها. وفيما يتعلق بهذه الأولوية، حذّر قداسة البابا أيضًا: «عندما يضعف فهم هذه المركزية، فحتى نسيج الحياة الكنسية يفقد حيويته الأصلية ويبلى، (1.) يتحلل إلى نشاط عقيم أو يتحول إلى سياسة ماكرة مع نكهة الدنيوية. وإذا وُضعت حقيقة الإيمان، بدلًا من ذلك، مع البساطة والقرار في مركز الوجود المسيحي، فإن حياة الإنسان تحيا بالحب الذي لا يعرف توقفًا أو حدودًا”.

هناك اعتباران مهمان ينشأن من هذا الخطاب، الذي كان بلا شك “برنامجيًا” للعلاقات بين البابا ودائرة العقيدة والإيمان. أولاً، في أعقاب تعليم الرسالة العامة “الإيمان والعقل”، يذكّر البابا بنديكتوس السادس عشر، في خدمة الإيمان، بالمهمة ذات الأهمية الأساسية اليوم، وهي “الحوار بين الإيمان والعقل، بين الدين والعلم، الذي لا يقدم فقط إمكانية إظهار معقولية الإيمان بالله، بطريقة أكثر فعالية وإقناعًا، لإنسان اليوم، ولكن أيضًا إظهار أنه في يسوع المسيح يكمن في التحقيق النهائي لكل طموح بشري حقيقي. بهذا المعنى، لا يمكن لجهد تبشيري حقيقي أن يتجاهل الأسئلة التي تطرح أيضًا الاكتشافات العلمية والمتطلبات الفلسفية اليوم”.

إن العلاقة بين الحقائق الطبيعية والمجزأة والحقيقة الكاملة، التي هي يسوع المسيح، والتي يُعهد بالدفاع عنها وتعزيزها إلى دائرة العقيدة والإيمان، يُشار إليها الآن كمبدأ أساسي لعملها. وهنا يكمن سبب التزامها وأفق خدمتها. ثانيًا، عرض البابا معايير الخدمة الرعوية على وجه التحديد في طبيعتها الأكثر حميمية. يمكن تعريف الخدمة العقائدية للدائرة على أنها “رعوية”، لأنها “خدمة للانتشار الكامل لنور الله في العالم”. يقول البابا: “يجب على نور الإيمان، المعبر عنه في ملئه وتكامله، أن ينير العمل دائمًا ويكون “النجم” الذي يرشد”. وتساعد في توجيه قلوب الرجال إلى المسيح! هذا هو الالتزام المرهق والرائع الذي يتعلق برسالة خليفة بطرس، والتي أنتم مدعوون للتعاون فيها”.

في هذا المجال من اختصاصها، يتم إصدار وثائق ذات طبيعة عقائدية، أي الوثائق التي بدءًا من موضوعها المحدد، تهدف إلى الدفاع عن الإيمان والعادات وتعزيزها، وتشارك في المهمة التعليمية لحبر روما. الدائرة هي الهيئة المساعدة والقريبة من السلطة التعليمية العليا للكنيسة، مع التفويض المحدد الذي تتلقاه من الحبر الروماني نفسه، وفقًا للدستور الرسولي “الراعي الصالح” (المادة 18). لذلك فإن الوثائق التي وافق عليها البابا صراحةً تشارك في السلطة التعليمية العادية للحبر الأعظم، وإذا تم حرم هذه القرارات العقائدية التي وافق عليها البابا صراحة من سماتها ذات الطبيعة التعليمية الجامعة، (فسيترتب على ذلك أن تكون لهذه القرارات مجرد قيمة تنظيمية أو حتى معادلة لقيمة الرأي اللاهوتي). وهذا يتعارض مع إرادة الحبر الأعظم نفسه وتفويضه المحدد. لذلك، يجب على جميع المؤمنين أن يحفظوا هذا التعليم في حكمهم وفي ممارساتهم، على النحو المنصوص عليه في القانون اللاتيني 754.

2- الصيغ الأدبية لإصدار وثائق مجمع العقيدة والإيمان

يمكن تصنيف الوثائق العقائدية لمجمع عقيدة الإيمان إلى الفئات التالية:

1- جواب على تساؤل أو على الشك (Responsum ad dubium o ad quaesitum) هو النطق بهدف إنهاء أو توضيح شك أثير من قبل شخص. في الماضي كان الجواب على الشك أو على تساؤل شائع من المجمع التفتيش المقدس، خصوصاً في معالجته بشكل رئيسي لموضوع الدفاع عن العقيدة، أو رفض وتصحيح أطروحات خاطئة، أي التمييز الوحيد بين ” نعم “و” لا “(الإيجابيّ – السلبي).

2- الإعلان (Declaratio): يشير المصطلح “الإعلان” إلى أن الوثيقة لا تعطي تعليما جديدا في حد ذاتها. إنّما المقصود هو استدعاء وتلخيص حقائق تعليميّة أقرّت مسبقا أو تُعلّم من قبل في وثائق السُّلطة التعليميّة، لأنها تنتمي إلى إيمان الكنيسة، مع إعطاء التفسير الصحيح، والإشارة إلى الحدود والنطاق، فضلا عن دحض الأخطاء والغموض المنتشر حول المادّة.

3- الإرشاد (Instructio): الإرشاد هو وثيقة تهدف لمعالجة موضوع تعليميّ من خلال الإشارة إلى التوجيهات ووجهات النَّظر من أجل تعزيز التعليم الصحيح. الذي غايته الرئيسية “تثقيفية” وتعليمية”، أو لتعزيز التعمّق في دراسة العقيدة، خصوصاً بين اللاهوتيين.

 4- الإعلام (Notificatio): هي الوثيقة التي تنوي إبداء حكم تعليميّ مرتبط بمواقف لاهوتية أعرب عنها مؤمن، وعادة يكون مؤلف كتاب. إنّها ملاحظة علنيّة تعلن بشكل رسمي وتعرض ادعاءات حٌكم عليها بأنّها خاطئة وخطيرة، أو أنّها تخالف عقيدة الإيمان، أو على الأقل أنّها غامضة.

5- رسالة (Epistula، Litterae): وهي رسالة معممة، تهدف بالتوجّه الخاصّ نحو أشخاص محدّدين للرد على سؤال أو لسبب آخر.

6- ملاحظة تعليميّة (Nota doctrinalis): الملاحظة التعليميّة هي وثيقة تهدف إلى الإشارة إلى بعض الجوانب المحدّدة لموضوع تعليميّ معين، داعية بصيغة مختصّرة ووجيزة  التعليم الكاثوليكي في مادّة محدّدة. أي في عرض وشرح مسائل الإيمان والاخلاق، بطابع لاهوتي يخصّ التعليم الكاثوليكي، وتدرس بشكل قطعي أو غير قطعي.

7- ملاحظات (Animadversiones): تقدّم الملاحظات في الحكم الذي يدرس نص وثيقة ما، لمؤتمر الأساقفة أو لجنة لاهوتية مشتركة مسكونيّة، أو كتاب أو مقال منشور.

8- الإعتبارات (Considerationes): تستخدم في حالة تقديم الحجج في دعم بعض مواقف المجمع على سبيل المثال: الإعتبارات بشأن مسألة أولوية بطرس (31 تشرين الأول 1998).

9- الإنذار (Monitum): هذا النوع من الوثائق لديه غرض إنذار مؤلف كي لا يعلّم أو ينشر آراء خاطئة أو خبيثة.

10- المرسوم (Decretum): المراسيم هي أكثر شيوعا في الإجراء التنظيميّ المتخذ في مجمع عقيدة الإيمان. وهناك نوعان من المراسيم: العامَّة والفرديّة.

11- الوثائق الدستورية والتأسيسية الخاصّة بالإجراءات والأنظمة.

12- مقالات ذات سلطة وليس السُّلطة التعليميّة: الفئة الأخيرة من النصوص، والتي تهدف إلى الكشف عن مساهمات التي لا تنتمي إلى السُّلطة التعليميّة لمجمع عقيدة الإيمان بالمعنى الدقيق للكلمة، ولم يتم الموافقة عليها من قبل البابا، لكن لديهما سلطة خاصّة، كونها أعدت من قبل خبراء الدائرة نفسها، كإسهامات قيمة في دراسة لاهوتية. وتتميز هذه النصوص عادة أثناء نشرها بثلاث علامات نجمية (***) وتبقى غير معروفة، وغير مؤرخة، لكن عادة ما ينشر تاريخ النشر في الصحف الكرسي الرسوليّ.

3- وثيقة منح بركة الأزواج المثليين Fiducia Suplicans

يجب ألاّ يعزز أو يُقرّ طقس لمباركة الأزواج الذين هم في وضع غير  نظاميّ، ولكن لا ينبغي لأحد أن يمنع أو يحظر تقرّب الكنيسة من كل موقف يتم فيه طلب المساعدة من الله من خلال بركة بسيطة“.

تأخذ وثيقة الفاتيكان الصادرة عن دائرة عقيدة الإيمان في الاعتبار أنواع البركات المختلفة التي يمكن أن يمنحها الكهنة خارج نطاق الليتورجيا. وتؤكد أيضًا أن أولئك الذين يريدون أن يعيشوا حياة ترضي الله ويطلبون البركة هم وحدهم الذين يمكنهم أن يتباركوا طقسيًا.

نرى خطورة الصيغة الغامضة المستخدمة في الوثيقة والتي سبّبت تفسيرات غير متجانسة بين المؤمنين والتي أثارت عاصفة من ردود الفعل وسوء الفهم حول القضايا الأخلاقية والعقائدية في الكنيسة الكاثوليكية فيما يتعلق بهذا النوع من البركات. والسبب هو أنَّ الكثيرون يعتبرون “البركة” بمثابة “إذن”، وخاصة “إذن للخطيئة”. في حين أن الوثيقة بأكملها توضح أنه لا يوجد “إذن” أو “بركة” للمعاشرة المثلية أو لأي حياة خطيئة، ولا أي تغيير في تعليم الكنيسة التقليدي بشأن الزواج، أو فكرة مباركة الأزواج المثليين، أو يمكن اعتبار الأزواج غير الشرعيين بمثابة قوننة لهذه العلاقات. تهدف الوثيقة في هذا السياق إلى إظهار أن الكنيسة لا ترفض الأشخاص ذوي الميول الجنسية المثلية. ولكن يبدو أن النص لا يميز بوضوح بين الشخص وحالته. تتعامل الوثيقة مع وضع الأزواج الذكور والإناث غير المنظمين سرًا والأزواج المثليين بنفس الطريقة. كلا الحالتين في حالة خطيئة جسيمة، ولكن ينبغي التعامل معها بشكل منفصل.

تؤكّد وثيقة دائرة العقيدة والايمان إمكانية الكهنة منح البركة للأزواج المثليين، أو “الذين لا يعيشون وفقًا للمعايير الأخلاقية للكنيسة”، دون تأكيد وضعهم رسميًا أو تغيير تعاليم الكنيسة بشأن الزواج، والذي يجب ألا يجد شكله أي تثبيت طقسي من قبل السلطات الكنسية، حتى لا يحدث ارتباك مع البركة التي تُمنح لسر الزواج”. فإنَّ العلاقة الجنسية وفقا للعقيدة الكاثوليكية، هي في سياق الزواج بين رجل وامرأة فقظ والتي تعتبر قانونية وكل شيء في “الطقوس والصلوات” يمكن أن يسبب ارتباكا بين المؤمنين يعتبر غير مقبول. وفي الوقت نفسه، تذكر الوثيقة أن “الحساسية الرعوية للخدام الكهنة يجب أيضًا تثقيفها”. لذلك من الضروري أن نفهم اهتمام البابا، بحيث لا تتوقف هذه البركات الطقسية عن كونها نظرة رعوية تمنح وسيلة فعالة لزيادة الثقة في الله من جانب الأشخاص الذين يطلبونها”. ومن جهة أخرى ليس هناك نية لإضفاء الشرعية على الاتحادات هذه.

تستند الوثيقة إلى رؤية البابا فرنسيس، التي تميل نحو التفاهم والانفتاح الرعوي ليس فقط تجاه الأزواج المثليين، ولكن أيضًا تجاه الأزواج غير المتزوجين والمطلقين والمنفصلين. ولكن من الواضح أن هذا الانفتاح لا يغير تعليم الكنيسة الأساسي حول الزواج كمثال حصري بين رجل وامرأة، المنفتحين على الحياة.

كما وتحدد الوثيقة أنَّ البركات الطقسية يجب أن تتوافق مع إرادة الله ومبادئ الكنيسة: باختصار، لا يوجد شكل جديد من الليتورجيا المخصصة للأزواج غير الشرعيين. مع ذلك، يمكن منح هذه البركات، دون اشتراط الكمال الأخلاقي كشرط مسبق. يمكن للخادم المقدّس أن يقدمها من خلال “صلاة قصيرة” يطلب فيها “السلام والصحة وروح الصبر والحوار” واستدعاءه والمساعدة المتبادلة، ولكن أيضًا بنور الله وقوته لكي نتمكن من تحقيق مشيئته بالكامل. لتجنب أي شكل من أشكال الارتباك أو الفضيحة – نقرأ – عندما تُطلب صلاة البركة، على الرغم من أنها خارج الطقوس التي تتنبأ بها الكتب الليتورجيا، من قبل زوجين في وضع غير منتظم، فإن هذه البركة لن تتم أبدًا في الكنيسة ولا حتى بالملابس أو الأفعال أو الكلمات الاعتيادية في حفل الزواج. هذه البركة يمكن أن تحدث “في زيارة إلى مكان مقدس، أو لقاء مع كاهن، أو صلاة جماعية أو أثناء الحج”. إن الرغبة في البركة والحصول عليها يمكن أن تكون خيرًا ممكنًا في بعض المواقف”، كما تقول دائرة عقيدة الإيمان، وهذا يجب أن “يوجه التمييز الحكيم والأبوي للخدام المقدسين”.

كما يقول البعض، في تعليق على الوثيقة الجديدة لدائرة عقيدة الإيمان: “لا يمكن لقلب الراعي أن يبقى غير مبالٍ تجاه الأشخاص الذين يقتربون منه بتواضع طالبين البركة، مهما كانت حالتهم، أو حياتهم”. إن قلب الراعي لا يطفئ النور المتقد لأولئك الذين يشعرون بعدم اكتمالهم، عالمين أنهم بحاجة إلى الرحمة والمساعدة من فوق”.

‫شاهد أيضًا‬

“الله يسير مع شعبه” موضوع اليوم العالمي للمهاجرين واللاجئين ٢٠٢٤

“الله يسير مع شعبه” موضوع اليوم العالمي للمهاجرين واللاجئين ٢٠٢٤ – Vatic…