كلمة المطران جورج بو جوده في دير مار يعقوب كرمسّده

كلمة المطران جورج بو جوده

بمناسبة زيارة البطريرك الراعي إلى طرابلس

لقاء دير مار يعقوب كرمسّده- 8 تشرين الثاني 2020

صاحب الغبطة والنيافة

في أيلول سنة 1977 عُيِّنتُ رئيساً لدير مار يوسف للآباء اللعازريّين في مجدليا، وكان مهدّماً أثناء حرب السنتين فإستأجرتُ شقّة في مجدليا للإقامة فيها مع الكهنة الذين كانوا معي، وتفرّغنا للعمل الرسولي والتبشيري في مختلف رعايا أبرشيّة طرابلس وزغرتا ومنطقة الجبّة على عادة جمعيّتنا التي تحمل رسميّاً إسم “جمعيّة الرسالة”.

والتي كان الأساقفة يكلّفونها القيام بهذه المهمّة، فيمضون في الرعايا فترة طويلة من الزمن يرافقهم شخص يهتم بتأمين الطعام لهم، في ختام الرسالة كانوا يؤدّون الحساب لمطران الأبرشيّة عن نتيجة عملهم، فيطلب منهم أسماء الذين لم ينقّوا ضميرهم ويعترفوا بخطاياهم.

مع تطوّر الحياة ووسائل التواصل أصبح بالإمكان التنقّل بالسيّارات إلى القرى والرعايا والعودة إلى الدير، توفيراً على الأهالي ولأنّ معظم الرعايا كانت تفرغ تقريباً من السكّان أثناء النهار. وكان يرافقنا في العمل الرسولي والتبشيري عدد من الشبّان والصبايا الجامعيّين للإهتمام بالأولاد والشبيبة وتنظيم اللقاءات لهم.

من الأمور التي لآحظناها هو أنّ في معظم الرعايا كتب ومخطوطات قديمة وقيّمة، وكاسات القدّاس والمباخر وغيرها من الأمور التي تُستعمل في الإحتفالات الليتورجيّة، موضوعة جانباً، غير مستعملة كالغفّارات وبدلات القدّاس المرصّعة بخيطان ذهبيّة وغيرها. لقد وُضِعَت جانباً لأنّ الميل إلى التجديد أصبح عادياً وصار بإمكان الرعايا تأمين الكاسات الجديدة إمّا بالحصول عليها من المغتربين وإمّا من المحلات التجاريّة التي تخصّصت ببيع الأدوات الليتورجيّة.

المؤسف في الأمر هو أنّ عدداً من المسؤولين في الأوقاف لم يعرفوا قيمة تلك الكتب المخطوطة بالسريانيّة والملابس البيعيّة، فتتعرّض للإتلاف.

وقد رأيتُ في إحدى الرعايا كتاب الحاش يسند عليه وكيل الوقف السلّم ليصعد إلى التتخيتة، فتتشلّع أوراقه، ثمّ يُرمى أو يُحرق. كنتُ ألفتُ الإنتباه إلى ذلك وأُحذّر المسؤولين من خطورة ذلك وأدعوهم ليُحافظوا على كل هذه الأمور في الخزانات، حفاظاً على قيمتها الأثريّة، فيقبل البعض بذلك، ولا يكترث البعض الآخر بها.

وهكذا ولدت عندي فكرة في أن أسعى، بعد أن تسلّمتُ مقاليد الأبرشيّة على إنشاء متحف، ولو صغير، توضع فيه كل هذه الأمور. كما إهتممتُ بتكريس قسم من بناء الدير هنا في الدار الأولى للمطرانيّة لترتيب الأرشيف التي كان يهتمّ بها من أُسمّيه الكومبيوتر الحي الخوري فريد حبقوق، لأنّ المكان الذي كانت توضع فيه الكتب والمخطوطات كان ضيقاً فتكدّس فوق بعضها البعض ويأكلها العث والفئران.

الأرشيف تنظّمت وهي الآن في طور المكننة وهي بحاجة ماسة إلى المتابعة بتخصيص أحد الكهنة أو العلمانيّين لمتابعتها مع الخوري فريد، وهي مهمّة أُسلّمها لأخي وخلفي المطران يوسف سويف الذي يعرف جيداً ويُقدّر قيمة هذه الكتب الليتورجيّة بما أنّ ذلك هو إختصاصه ويقوم بتنظيم الليتورجية على أكمل وجه.

أمّا هذا المتحف الصغير الذي تدشّنونه اليوم يا صاحب الغبطة فلقد أردتُ أن يكون مثلاً لمختلف الرعايا لتنشئ هي بدورها المتاحف الرعويّة تحافظ فيها على كل ما فيها من كتب ليتورجيّة وكؤوس ومباخر وغفّارات وشعاعات لزياح القربان وغيرها من الأمور.

في ختام خدمتي الأُسقفيّة في هذه الأبرشيّة التي أحببتها والتي أردتُ وألحّيتُ على الحفاظ على وحدتها نظراً لأهميّتها التاريخيّة. وبعد أن حصلتُ على مبلغ من المال من خلال خدمتي فيها، في ما يُسمّى دخل البطرشيل، أردتُ أن أقدّم لها هذا المتحف كتذكار يبقى ويدعو أبناء الأبرشيّة، كهنة وعلمانيّين، للصلاة من أجلي في حياتي، وبعد موتي، ويذكروا معي في الصلاة، كل الآباء اللعازريّين الذين خدموا هذه الأبرشيّة منذ أكثر من مائتي سنة، ولذلك وكذلك قرّرتُ أن أُسمّي المقر الذي بنيته في عكار، في بلدة القبيات، مركز القديس منصور الرعوي ووضعت في الحديقة المحيطة به شخص هذا القديس الذي عُرف “بأبي الفقراء: والذي كان شعاره: “روح الرب عليّ، فقد أرسلني لأبشّر المساكين”.

أودّ في النهاية أن أوجّه كلمة شكر من القلب لإخوتي الكهنة في هذا الدير، وبصورة خاصة حضرة الخورأُسقف أنطوان مخايل، والخوري عزت الطحش، والخوري سيمون جبرايل، والخوري أنطونيو نفاع الذين تحمّلوا ويتحمّلون مسؤوليّة النشء في إكليريكيّة مار أنطون البادواني.

والشكر الكبير للمهندس الأستاذ روجيه مخّول الذي صمّم ونفّذ وكرّس وقته عاملاً مع العمّال هذا المشروع مجاناً، لا بل مساهماً مادياً في تكاليفه.

في الختام، أودّ أن أقول أنّ الطابق الأوّل من بناء هذا المتحف والذي كان مسكناً للراهبات عندما كنّ يهتممن بالأولاد يوم كان الميتم الذي أصبح اليوم في كفرفو، قد تحوّل إلى مركز للإصغاء ومرافقة الأزواج المتعثّرين في حياتهم الزوجيّة، وإلى مركز لأخصّائيّين في علم النفس لمرافقة الإكليريكيّين والكهنة الذين يعانون من صعوبات في حياتهم الكهنوتيّة.

وإسمحوا لي، بهذه المناسبة، ودون أن أتكلّم مرّة جديدة بعد إنتقالنا من هنا إلى مؤسّسة مار أنطون الإجتماعيّة في كفرفو والمعروفة بإسم الميتم، أن أرجو من غبطتكم مباركة المشروع الملحق بالمؤسّسة والذي سيستقبل أربع عشر فتاة ينهين دراستهن حتى الشهادة التكميليّة ولا يعود بالإمكان إستقبالهنّ في المؤسّسة لأنّ وزارة الشؤون الإجتماعيّة لا تعود تتكفّل بهن.

هذا المشروع أطلقته منذ سنتين، عند إحتفالي باليوبيل الذهبي لسيامتي الكهنوتيّة وقد طلبتُ من الذين يريدون أن يقدّموا لي أيّة هدية، أن يستعيضوا عن ذلك بالمساهمة بتمويل بناء هذا المركز. وقد لبّى الدعوة لغاية الآن عدد من المحسنين إسمحوا لي أن أذكر منهم: السيّد جورج شبطيني والسيّد يعقوب السمّور والسيّد فرانسوا الشدياق تخليداً لإبنته ريّا التي إستشهدت على يد أحد المجرمين.

هذا المشروع أيضاً هو من تصميم وتنفيذ المهندس روجيه مخّول الذي عمل ليلاً ونهاراً، وبكل مجّانيّة، مشاركةً معنا بهذا العمل الإنساني، والذي أودّ أن أُقدّم له عواطف الشكر والإمتنان على كل ما قام ويقوم به في خدمة الأبرشيّة.

ولا يسعني في الختام سوى أن أشكر الأخوات في راهبات العائلة المقدّسة وأخصّ بالشكر رئيسة المؤسّسة الأخت ماتيلد ساسين على كل ما قُمنَ ويقمن به في خدمة المؤسّسة وأولادها بروح التفاني والمحبّة.