أكتوبر 13, 2020

لماذا يتخلى الشباب المسيحي عن دورهم بالكنيسة، ويعيدون التفكير في إيمانهم؟

الشدياق رامز الطوال

من أكثر الأسئلة المحيرة والأكثرها شيوعًا في أيامنا الحالية:

لماذا تُترك الكنيسة خالية خاوية من عنصر الشباب؟

لماذا التوقف عن الحضور والمشاركة في مختلف أنشطتها؟

لماذا لم تعد تعتبر أولوية لمعظم الفئة الشابة؟

لماذا، ربما، انحصر دورها في الجانبين الاجتماعي والموسمي؟

بالطبع، فإن التعميم خاطئ هنا. ولا يجوز أن أقدم القضية وأسئلتها وكأنها عامة في كل مكان. بل أني أقدم القضية للنقاش لعلنا نستحدث حلولاً جديدة على ضوء تعليم البابوات والكنيسة المنبثق في يسوع المسيح.

نظرة سريعة عن مفهوم الكنيسة

لنعد إلى الوراء قليلاً ونستذكر بشكل سريع ما هي الكنيسة؟

في رسالته العامة، تحدث البابا بيوس الثاني عشر عن الكنيسة أنها “مجتمع الذين أعتمدوا، والذين يقرون بإيمانهم بالمسيح، والذين يجمع بينهم شخص الأسقف بشركة متحدة مع الكنيسة المنحدرة من خلافة الرسل المباشرة” (Mystici Corporis Christi, 1943).

فالكنيسة إذن، هي جسد المسيح المنظور وهي التي نشأت عند أقدام الصليب وانطلقت في اليوم الخمسين لصعود الرب الى السموات، عندما أرسل الروح القدس، ونزل عليهم وجعلهم قادرين على نقل البشارة الى العالم اجمع، فهذه إحدى أهم وصايا المسيح، وهي نقل بشارة الخلاص الى العالم اجمع؛ “الخلاص المجاني، غفران الخطايا والحياة الأبدية المعطى لكل العالم”؛ هذه المهمة ليست محصورة فقط في أشخاص المكرسين للرب، بل تشمل كل المؤمنين بإسمه على حد سواء، كلٌ في مكانه وحضوره في مجتمعه وبيئته الأجتماعية. هذا ما اوحى به الروح القدس للقديس بولس عندما كتبَ وخاطبَ المسيحين بأنهم “أعضاء المسيح” ويشكلون معه جسدًا واحدًا على تنوعهم 

(راجع الرسالة الاولى الى أهل قورنتس الفصل 12 والآيات من 12 ولغاية 31).

تسمى الكنيسة أيضًا، بالمناضلة أو المجاهدة لأن أبناءها يجاهدون ضد مغريات الشيطان ونجاسات العالم الفاسدة “فإن الله لم يدعنا إلى النجاسة، بل إلى القداسة” 

(تسالونيقي الاول الفصل 4، الآية 7). 

ومجاهدة ضد كل التعاليم الخاطئة والمضللة “جاهدت جهادًا حسنًا وأتممت شوطي وحافظت على الإيمان 

(تيموثاوس الثانية الفصل 4 الآية 7). 

باختصارٍ شديد، هذه هي كنيسة المسيح في كل الأزمنة، هي المجاهدة والمؤمنة بقوة كلمته وحضوره الدائم فيها.

والآن عند العودة إلى السؤال المركزي، لماذا يترك الشباب الكنيسة؟

يترك العديد من الشباب الكنيسة لأنهم لم يلتحقوا بها روحيًا ولم يجعلوا من المسيح المقام الأول في حياتهم، بل مارسوا واجباتهم الدينية من دون التعمق أكثر في حقيقة وجودهم والغاية منها، وبقيت حياتهم الروحية هامشية ضمن أسلوب حياتهم العادية. وفي الحقيقة هذة القضية أو المأزق قديم الأيام قدم الكنيسة نفسها؛ إذ نرى في كتابات القديس يوحنا تحذيرًا من الأشخاص الذين يتركون الخبر السار، لبشارة أخرى “من عندنا خرجوا ولم يكونوا منا فلو كانوا منا لأقاموا معنا. ولكن حدث ذلك لكي يتضح أنهم جميعًا ليسوا منا”.

(راجع يوحنا الأولى الفصل 2 الآية 19).

وفي كرازته وتعليمه على الجبل، يحذر يسوع المسيح بجرأة ويقول: “ليس من يقول لي «يا رب، يا رب» يدخل ملكوت السموات، بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات )راجع متى الفصل 7 والآية 21). ومشيئته أن نكون مجتمعين معًا “ليكونوا واحدًا”. كثيرًا ما تكلم يسوع عن المندفعين الذين يتركون الإيمان لعدم ثباتهم بمحض حريتهم.

(راجع مثل الزارع، متى الفصل 13). 

وذكرهم القديس بولس حين حث كنيسة قورنتوس أن تراجع ضميرها “حاسبوا أنفسكم وانظروا هل أنتم على الإيمان. إختبروا أنفسكم. ألا تعرفون بأنفسكم أن المسيح يسوع فيكم؟” 

(راجع قورنتوس الثانية الفصل 13 والآية 5).

إن تعليم الشباب في الكنيسة للنمو في علاقتهم مع الرب يهيئهم لخدمة المسيح في كل ما يفعلونه، لا يمكن لخدمة الشباب فقط أن يصار إلى إعدادهم ليصبحوا قادة المستقبل، ولكن أيضًا بإفساح المجال لهم للمساهمة في الكنيسة بناءً على مهاراتهم واهتماماتهم التي تمكنهم من الشعور بالمشاركة والمساعدة في المجالات التي تتوافق مع اهتماماتهم. إذن، المكوث في داخل الكنيسة هو بالنهاية قرار شخصي ليس باستطاعة أحد أن يرغمك على الحضور والانتساب لعضويتها؛ يتغنى داود في المحبة المشتركة ويقول “ألا ما أطيب، ما أحلى أن يسكن الإخوة معًا!” 

(راجع مزمور 1:133).

انخراط الشباب في العمل بداخل الكنيسة هو مفتاح التغيير الإيجابي في المجتمعات. لا تنظر فقط الى ما تقدمه الكنيسة، بل تطلع الى تقديم نفسك ومواهبك لخدمة الكنيسة.

أيضًا يترك العديد من الشباب الكنيسة لأنهم لم يجربوها أبدًا بطريقة جسدية، لم يستطعيوا أن يروا أن لهم دور فعّال وأساسي في تكوينهم وأنها بدونهم تصبح “الأم الحزينة”، التي تنتظر قيامة أبنائها وعودتهم الى حضنها، لهم موقعهم وأفكارهم واسلوبهم الذي يستكمل مسيرة درب الكنيسة. تريد الكنيسة منهم أن يبادروا وأن يأتوا بالأفكار التي تقود مسيرة الإيمان الى الأمام، أن تكون الكنيسة مكان إبداعهم ومكان راحتهم والأهم أن تعود وتكون ملجأهم الإجتماعي والروحي، ليكتشفوا عظمة دورهم بداخلها ويتذوقوا نور المسيح فيهم. لا أن يتركوها بحجة انها قديمة الأيام، أو أنها لم تعد تشعل في داخلهم حس الفرح. او لا يوجد شيءٌ جديد فيها.

يحث البابا فرنسيس الشباب على تبني دورهم كحاضر ومستقبل للكنيسة الكاثوليكية من خلال بناء علاقات مع مجتمعهم ومع الله. ويدعوهم ليأخذوا مكانهم كـ “حاضر الكنيسة” ، والعمل بالتضامن لمحاربة الشر وعيش عطية “الحاضر”. ويحث البابا الكنيسة إلى أن تعود إلى الشباب وتغتنم الفرص التي يتيحونها بطرق جديدة لا ان تسد أذانها عن افكارهم ورغباتهم واسئلتهم التي يواجهونها في العالم اليوم بين العلم والإيمان، وأين تقف الكنيسة منها؟ وغيرها الكثير الكثير من الاسئلة.

يعود البابا فرنسيس ويطلب منا أن ” نتأمل في يسوع الشاب كما هو مذكور في سفر الاناجيل” لأنه كان حقاً شاباً مثلنا ويشاركنا بالعديد من تطلعاتنا اليومية في عصرنا الحالي.

يقول احد رؤساء الكنيسة: “هناك الكثير من الأصوات في المجتمع اليوم التي تروج للفردانية والاستقلال كوسيلة لتحقيق الذات، ولكن هذا ترك الكثير من الشباب يشعرون بالعزلة المتزايدة، حتى مع سهولة أشكال التواصل الحالية”. وجعلهم يتغربون عن الكنيسة وهم في نفس البقعة الجغرافية.

الخاتمة

ليس الهدف هو تسليط الضوء على ما آل إليه الوضع، بل الى إلقاء الضوء على ماذا نستطيع أن نقدم للكنيسة؟ اريد أن استرجع مكاني كشاب بداخلها! هي أمي، أريد أن اقدم لها ذاتي ومواهبي وان اخدمها. أريد أن ابدا اليوم معها باسلوب جديد، لا أن أنظر الى ما مضى بل ان أصوّب عيني نحو الغد، أريد أن أعيش فرح البشارة في وسط إخوتي وأن أعرّف باسمك يا رب بين الأمم. أريد أن أبادر بالعودة وتقديم المشاريع لخير اخوتي، أبناء بلدي، أينما كنت، وأريد أن أساعد من يحتاج إنارة لطريق حياته.

فرانسيسكا الرّومانيّة… زوجة فأمّ فراهبة قدّيسة

عوده للمسؤولين: إحذروا ثورة الجياع

يوحنّا العاشر مع مدخل الصّوم: يا ربّ افتح لنا باب رحمتك

زيارة البابا إلى العراق: مقابلة مع الأب أفرام عازار من الآباء الدومينيكان

زيارة البابا إلى العراق: مقابلة مع سامد جورج إيليا، عضو جوقة العطاء الكلدانية في البصرة

أسقف روما لم يرغب في أن يخذل أبناءه فجاء إليهم حاملا لمسته المـُحبة

“أيهَا الجِيلُ المُلْتَوِي غَيرُ المُؤْمِن، إِلى مَتَى أَكُونُ مَعَكُم وَأَحْتَمِلُكُم؟”

البابا فرنسيس: اقتربت لحظة العودة إلى روما. لكن العراق سيبقى دائما معي وفي قلبي

عظة البابا فرنسيس في القداس الإلهي في أربيل

‫شاهد أيضًا‬

فرانسيسكا الرّومانيّة… زوجة فأمّ فراهبة قدّيسة

يحلّ اليوم الثّامن من آذار/ مارس حاملاً نفحة نسائيّة مميّزة في اليوم العالميّ للمرأة، نفحة…