ديسمبر 7, 2020

“يضيء للقاعدين في الظلام في ظلال الموت ويهدي خطانا في طريق السلام”

الخوري كامل كامل

الاثنين ٧ كانون الاول ٢٠٢٠
الاثنين من أسبوع مولد يوحنا

انجيل القديس لوقا ١ / ٦٧ – ٨٠

“يضيء للقاعدين في الظلام في ظلال الموت ويهدي خطانا في طريق السلام”.

“ا‏متلأَ زكَرِيَّا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، فتَنبّأَ قال:” تبارَكَ الرَّبُّ، إلهُ إِسرائيلَ لأنَّهُ تَفَقـدَ شَعبَهُ وا‏فتَداهُ، فأقامَ لنا مُخَلِّصًا قَديرًا في بَيتِ عَبدِهِ داودَ.  كما وعَدَ مِنْ قَديمِ الزَّمانِ بِلسانِ أنبـيائِهِ القدِّيسينَ خَلاصًا لنا مِنْ أعدائِنا، ومِنْ أيدي جميعِ مُبغِضينا، ورَحمةً مِنهُ لآبائِنا وذِكرًا لِعَهدِه المُقدَّسِ وللقَسَمِ الذي أقسَمَهُ لإبراهيمَ أبـينا، بأنْ يُخَلِّصَنا مِنْ أعدائِنا، حتى نَعبُدَهُ غيرَ خائِفينَ، في قداسةٍ وتَقوَى عِندَهُ طُوالَ أيّامِ حياتِنا. وأنتَ، أيُّها الطِّفلُ، نَبـيَّ العليِّ تُدعى، لأنَّكَ تتَقدَّمُ الرَّبَّ لتُهيّـئَ الطَّريقَ لَهُ، وتُعَلـمَ شَعبَهُ أنَّ الخلاصَ هوَ في غُفرانِ خطاياهُم. لأنَّ إلَهَنا رَحيمٌ رَؤوفٌ يَتَفقَّدُنا مُشرِقًا مِنَ العُلى. ليُضيءَ لِلقاعِدينَ في الظَّلامِ وفي ظِلالِ الموتِ ويَهدي خُطانا في طريقِ السَّلامِ.”  وكانَ الطِّفلُ يَنمو ويتقَوَّى في الرُّوحِ. وأقامَ في البرِّيَّةِ إلى أنْ ظهَرَ لِبَني إِسرائيلَ.

التأمل: “يضيء للقاعدين في الظلام في ظلال الموت ويهدي خطانا في طريق السلام”.

بعد ولادة يوحنا المعمدان العجائبية من والدة لا تنجب حسب القواعد الطبيعية البيولوجية لجميع الناس فهي عاقر منذ صباهها، ومتقدمة في العمر، بعد تلك الولادة نطق زكريا ممتلئاً من الروح القدس ممجّداً الله الامين على وعوده الذي تفقّد شعبه برحمته الواسعة وخلّصه من محنته.
زكريا هو آخر أنبياء العهد القديم عاش حياته حسب الشريعة، لكنها كانت يابسة لا تنجب الحياة بل اليأس والموت لأنها شريعة الحرف والحرف يقتل.
تخطّى زكريا الشريعة عندما طلب ولداً له وهو في شيخوخته، وكأنه طلب من الشريعة البالية أن تنجب حياة، واستمرّ يصلي في سرّه حتى دخل الهيكل وكانت البشرى له من الملاك فالله استجاب طلبته، طبعاً لم يصدق فاكنت عاقبته الخرس حتى ولادة الصبي.
لم يستطع زكريا استيعاب قدرة الله على التغيير، ولم يتحمّل عقله البشري الصغير تدابير الرب وحكمته، خصوصاً وأن الشريعة كانت مستفحلة في أيامه كما الشيخوخة التي أنهكت جسده وجسد زوجته أليصابات.
لكن يد الرب تعلو قوانين البشر وطبيعتهم، فإذا قلت أنها النهاية عندك تكون البداية عند الرب، وإذا اعتقدت أن الفرج بعيد في حساباتك الشخصية يكون الفرج أقرب منك الى نفسك بكثير حسب إرادة الرب، وإذا تنشقت رائحة الموت في جسدك حسب حواسك البشرية تكون رائحة الحياة قد دبّت في عروقكك حسب وعود الله المليئة بالحب والرحمة.
مسيرة إيمان زكريا لم تكن سهلة مرّت بأربعة مراحل:
١- الالتزام والاستقامة في السلوك حسب تدابير الشريعة.
٢- العقم الذي كان يعتبر في ذاك الوقت عاراً، فالشريعة جلبت له ولشعبه العار والموت.
٣- الصلاة والطلب الى الله أن يكون له نسلاً.
٤- إنكار قدرة الله على تغيير قوانين الطبيعة وتكسير الشرائع البشرية.
وصلت تلك المسيرة إلى حالة “الخرس” وهي شبيهة بحالة العقم، وبذلك انتهت شريعة العهد القديم التي أعلنت السبت سيّداً والإنسان عبداً وابتدأت شريعة العهد الجديد القائمة على الرحمة “ورَحمةً مِنهُ لآبائِنا” وكتب زكريا بيده أولى كلماتها “يوحنا” أي الله الحنّان.
إيمان زكريا أوصله إلى حائط مغلق وهو حائط الهيكل، حائط المبكى وما زال قائماً حتى يومنا هذا في قلب كل إنسان يسير حسب الشرائع البشرية ويهمل عدل الله ورحمته.
خرس زكريا بعد البشارة بولادة يوحنا، وجلس منتظراً في منزله تدابير الله الجميلة وكأنه يقول لكل منا اليوم أصمت واهدأ ودع الله يعمل ما عجزت أنت وكل البشر عنه.
أيها الرب الإله الرحيم والرؤوف يا محباً للبشر، إفتقد شعبك السائر في ظلمة الشرائع البشرية وأشرق بأنوارك للقاعدين في الظلام والجالسين في ظلال الموت وأهدي خطانا نحن الملتجئين إليك في طريق السلام. آمين.

الخوري كامل كامل