ديسمبر 4, 2020

يقولون: ربحتم ملاكا في السماء، وأنا أقول عايشت بطلة…

بقلم ماريان طلال خوري

ثمة لحظة في الحياة، عندما تبلغها تدرك أنّك “لا شيء”، من دون قيمة، مجرّد من كل لقب أو منصب أو ثروة، وتتذكّر أنّك من التراب والى التراب تعود. فأمام الموت نقف عاجزين عن تفسير ما نشعر به ونرضخ قائلين على رجاء القيامة والحياة الأبدية.

في هذه اللحظة يتلقى المرء كل تعابير العزاء والتضامن والحب والدعم، ولكنّه يدرك يوما بعد يوم حجم الخسارة.

على مرّ ٨ سنوات، كانت فيهم الملهمة، البطلة، والمثال الحي عن النضال وحب الحياة، والمكافحة من أجل البقاء…طبعت قصتها في كل شخص عرفها أو سمع عنها، في كل شخص تبرّع لها يوما بالدم أو ساعدها بطريقة من الطرق.

على مر ٨ سنوات، كنت أتحدّث عنها الى المقرّبين وأخبرهم عن قوّتها وجبروتها أمام عذابٍ ومرضٍ قبلت به بكلّ فرح، حملت صليبها دون تذمّر، حتى باتت ملمّة بعلاجها أكثر من الأطباء والممرضين.
نعم كانت مصدر الهامي، تلك الصبية التي لم تكد تعود الى حياتها بعد الاحتفال بفرحة عمرها، حتى تبدأ رحلة العلاج مع “هيداك المرض”…كان وقع الكلمة في المرّة الأولى صعب، ولكن في المرات اللاحقة أصعب وأصعب.

بدأت رحلة العلاج مع سرطان الدم منذ ٢٠١٢، وكنّا جميعًا متفائلين ومؤمنين بأنها مرحلة وستمرّ.

خلال هذه المرحلة فقدت الفتاة المحاربة والدها، ولكنها بقيت تحارب من أجله ومن أجل كل من أحبها…وانتصرت!

لم يكن هذا لفترة طويلة، حتى عاجلها الخبيث من جديد وبدأت مرحلة أخرى من العلاج، علاج بعد آخر، عملية زرع بعدها أخرى، تجارب وأدوية وعلاجات قيد الدرس، كلّها تقبّلتها بابتسامة ملائكية، وكانت كلّما سمحت لها الفرصة أو الصحة تخرج للقاء الأصدقاء والعائلة التي أحبّت!

أخبر ما سبق، لنتأكّد أنّ بعض الناس تكون رسالتهم في الحياة نشر الأمل والحب والايمان في قلوب من حولهم، وعندما تنتهي المهمة يرحلون.

أكتب ما سبق لأخبركم كم انا فخورة بالوقت والسنين التي أمضيتها بجانب تلك البطلة؛

فخورة بكل لحظة تبادلنا الحديث فيها، عن كل شيء وعن أي شيء؛

فخورة بكل لحظة فرح وضحك، رغم كل الوجع؛

فخورة بكل مرّة تناولنا فيها الطعام معا؛

فخورة بكل مرّة ترافقنا فيها معا الى أي مكان ولو حتى الى المستشفى؛

فخورة بكل كلمة حبٍّ سمعتها منها؛

فخورة بكل مرّة استطعت فيها أن أنجز لها أيّ عمل، وأعتذر عن كل لحظة تقصير…

في الواقع، وبالنسبة للكثيرين الأبطال لا يموتون، ولكن وقع الرحيل صعب، كما قال محمود درويش “الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء”.

فالذكريات وفقدان القدرة على رؤية الشخص لا تعوّض.
كلّنا يعلم أن الانسان بطبعه أناني، رغم كل الوجع لم نقتنع بالرحيل

يقولون: ربحتم ملاكا في السماء،

أقول: ربما، ولكني واثقة من أنني عايشت بطلة، عايشت روحًا لن تقبع يوما في صندوقٍ تحت التراب، عايشت نسمة مرّت في عمري وسأحملها دائمًا في قلبي❤