يونان في رسالة الصّوم: “قدّسوا صومًا ونادوا باحتفال”

تيلي لوميار/ نورسات
بعنوان “قَدِّسوا صومًا ونادوا باحتفال”، أصدر بطريرك السّريان الكاثوليك مار إغناطيوس يوسف الثّالث يونان رسالة الصّوم، موجّهًا إيّاها إلى الإكليروس والعلمانيّين في لبنان وبلاد الشّرق والانتشار، قائلًا:
“1.مقدّمة
الصّوم الكبير زمن توبة وتجديد يقود إلى القيامة والفصح. فهو زمن مناسب لنتجدّد من خلال لقائنا بالمسيح فادينا الحيّ، في التّأمّل بالكتاب المقدّس، والاحتفال بسرّ التّوبة والقربان المقدّس، والابتهال المتواتر. كما أنَّ الصّوم لكونه “انقطاعًا” عن الطّعام لفترة محدَّدة من اليوم، تمتدّ من منتصف اللّيل حتّى الظّهر، ثمّ “قطاعةً” تقوم على الاكتفاء بتناوُل الأطعمة الخالية من المنتَجات الحيوانيّة، فهو يحرِّر الإنسان من الملذّات، ويجعله منفتحًا على الله وعلى الآخرين، وهو لا ينفصل عن الصّلاة والصّدقة. إنّه وسيلة لتربية القلب على المحبّة، إذ يذكِّرنا بأنّ الحرمان الطّوعيّ يفتح آفاقنا على احتياجات الفقراء، ويجعلنا شركاء في آلام المسيح.
“إنَّ الزّمن الأربعينيّ مسيرة نرافق بها يسوع الّذي يصعد إلى أورشليم ليتمِّم سرّ آلامه وموته وقيامته، وتذكِّرنا بأنّ الحياة المسيحيّة مسيرة روحيّة نرتقي بها إلى العلى، ولا يتضمّن مجرَّد الحفاظ على شريعةٍ ما، بل إنّه لقاء واستقبال واتّباع لشخص المسيح نفسه” (من تعليم البابا بنديكتوس السّادس عشر حول أربعاء الرّماد (بحسب الطّقس اللّاتينيّ) وزمن الصّوم، 9 آذار 2011).
2. قدسيّة الصّوم بين التّوبة والرّجاء
ليس الصّوم مجرَّد فترة زمنيّة عابرة، بل هو زمن هامّ في السّنة الطّقسيّة، زمن مكرَّس بكامله للرّبّ. صحيح أنّ كلّ الأزمنة اللّيتورجيّة هي مقدَّسة، لكنّ الصّوم يتميّز بكونه زمنًا استثنائيًّا، حيث يُدعَى المؤمن ليسكب ذاته بين يدَي الله، ويترك مشيئته الإلهيّة تعمل فيه. إنّه زمن تنقية للذّات وتقديس للفكر، للاتّحاد بالرّبّ، فنُضحِي أداة طيّعة في يده.
“إنّ زمن الصّوم هو بداية جديدة، طريق تؤدّي إلى هدف أكيد: فصح القيامة، انتصار المسيح على الموت. ويوجّه لنا هذا الزّمن دومًا دعوة قويّة إلى التّوبة: المسيحيّ مدعوّ للعودة إلى الله “بكلّ قلبه” (را. يوئيل2: 12)، كي لا نكتفي بحياة سطحيّة، إنّما ننمو بالصّداقة مع الرّبّ” (البابا فرنسيس، رسالة الصّوم للعام 2017، الكلمة هي عطيَّة- الآخر هو عطيَّة).
منذ العهد القديم، ارتبط الصّوم بالتّحضير للأعمال العظيمة: موسى صام قبل أن يتسلّم لوحَي الوصايا، وإيليّا صام قبل أن يلتقي الرّبّ على جبل حوريب. وفي العهد الجديد، يسوع نفسه صام أربعين يومًا قبل أن يبدأ رسالته العلنيّة. هكذا يصبح الصّوم مدرسة روحيّة، حيث يتعلّم المؤمن أن يتهيّأ لعمل الله في حياته، وأن يفتح قلبه لإرادته المقدّسة.
“قدِّسوا صومًا ونادوا باحتفال” (يوئيل1: 14)، إنّها دعوة نبويّة تحمل في طيّاتها أبعادًا روحيّة ولاهوتيّة عميقة. لقد جاء نداء يوئيل النّبيّ في زمن كارثة الجَرَاد الّتي دمّرت أرض يهوذا، حيث دعا النّبيُّ الشّعبَ إلى اجتماع مقدّس في الهيكل، ليصرخوا إلى الله معًا. فالصّوم يعبِّر عن توبة الشّعب بأسره أمام الله، كما يعبِّر عن رجاءٍ بالخلاص لا يأتي إلّا من الله ومن فيض رحمته.
يشدّد الآباء السّريان على ضرورة تنقية القلب والفكر مع الصّلاة وعمل الرّحمة ليأتي الصّوم مقبولًا أمام الله: «ܗܰܒܠܰܢܡܳܪܰܢܕܰܒܠܶܒܳܐܕܰܟܝܳܐ،ܘܰܒܪ̈ܶܥܝܳܢܶܐܕܪܳܡܺܝܢܡܶܢܥܳܠܡܳܐ،ܢܶܨܽܘܡܟܽܠܰܢܨܰܘܡܳܐܩܰܕܺܝܫܳܐ،ܕܰܕܟܶܐܘܰܡܪܺܝܩܡܶܢܟܽܠܟܽܘܬܡ̈ܳܬܳܐ… ܛܽܘܒܰܘܗ̱ܝ̱ܠܰܐܝܢܳܐܕܨܳܡܡܶܢܒܺܝ̈ܫܳܬܳܐ،ܐܳܦܐܶܬܟܰܫܰܪܒܗܳܠܶܝܢܝܰܘ̈ܡܳܬܳܐ،ܒܨܰܘܡܳܐܕܰܟܝܳܐܘܫܰܗܪܳܐܘܙܶܕ̈ܩܳܬܳܐ،ܘܰܗܘܳܐܝܳܪܬܳܐܒܰܓܢܽܘܢܚܰܕ̈ܘܳܬܳܐ»،وترجمته: “هبنا ربّنا أن نصوم كلّنا صومًا مقدّسًا بقلب نقيّ وبأفكار تسمو على العالم، صومًا ينقّي ويطهِّر من كلّ الأدناس … طوبى للّذي صام عن السّيّئات، واجتهد في هذه الأيّام بصوم نقيّ وسهر وصدقات، فأضحى وارثًا في جنّة الأفراح” (من مدراش صلاة القومة الأولى من ليل الإثنين من الأسبوع الأوّل من الصّوم، كتاب الفنقيث، الجزء الرّابع، صفحة 52).
3. الصّوم زمن فرح واحتفال جماعيّ
الصّوم ليس زمن حزن بل زمن فرح: “متى صُمْتَ فادهن رأسك” (مت6: 17)، فالرّبّ يسوع يدعونا إلى عيش الصّوم بروح احتفاليّة، بعيدًا عن المظاهر الكئيبة. في الطّقس السّريانيّ الأنطاكيّ، يبدأ زمن الصّوم الكبير بفرح عرس قانا الجليل، ويُعاش كلّ أحد كعيد صغير، حيث رتّبت الكنيسة نصوصًا إنجيليّة تروي شفاءات ومعجزات: شفاء الأبرص، شفاء المخلَّع، شفاء عبد قائد المئة، إحياء ابن أرملة نائين، وشفاء الأعمى
في أريحا. كلّ هذه الأحداث هي علامات فرح ورجاء، يعقبها دخول المسيح الملك إلى أورشليم يوم الشّعانين، وصولًا إلى الفرح الأعظم: قيامة الرّبّ يسوع ممجَّدًا، عرس السّماء الأبديّ.
الصّوم إذًا ليس عزلة أو مسيرة فرديّة، بل هو فعل جماعيّ. إنّه زمن ليتورجيّ مقدّس، يجمع بين التّوبة والاحتفال، بين الحزن على الخطيئة والفرح بالرّحمة الإلهيّة. الصّوم صرخة جماعيّة، ووسيلة لتقديس الزّمن، وتحويل أزماتنا إلى أفعال رجاء.
“نادوا باحتفال” تعني أنَّ الكنيسة تدعو المؤمنين كي يجتمعوا معًا، بقلب واحد، ليعيشوا فَرَحَ الرّبّ في الجماعة، وليجعلوا من هذا الزّمن مسيرة متهلِّلة نحو الفصح والقيامة. فالرّياضات الرّوحيّة، الصّلوات المشترَكة، والاحتفالات اللّيتورجيّة ما هي إلّا وسائل تجعل كلمة الله تتجسّد في حياة المؤمنين، وتُحوِّل الصّوم إلى خبرة جماعيّة من التّوبة والرّجاء.
وها هو مار أفرام السّريانيّ، ملفان الكنيسة الجامعة، يحثّ على أهمّيّة الاستفادة والاغتناء من هذا الزّمن المبارك: «ܬܰܘܐܰܚ̈ܰܝܢܶܬܟܰܫܰܪܒܶܗܒܨܰܘܡܳܐܥܰܕܠܳܐܥܳܒܰܪܠܶܗ،ܘܢܶܬܬܰܓܰܪܡܶܢܣܺܝ̈ܡܳܬܶܗ،ܥܰܕܐܺܝܬܐܰܬܪܳܐܠܬܶܐܓܽܘܪܬܳܐ. ܢܶܩܢܶܐܒܶܗܡܰܟܺܝܟ̣ܽܘܬܳܐ،ܕܢܶܚܙܶܐܐܰܦ̈ܰܘܗ̱ܝ̱ܕܰܐܠܳܗܳܐ»،وترجمته: “هلمّوا يا إخوتي نجتهد بالصّوم قبل أن ينتهي زمنه، ونربح من كنوزه، طالما أنّ المجال سانحٌ للتّجارة الرّابحة. فنقتني به التّواضع، لنعاين وجه الله” (من باعوث أيّ طلبة مار أفرام، صلاة صباح الخميس من الأسبوع الأوّل من الصّوم، كتاب الفنقيث، الجزء الرّابع، صفحة 143-144).
4. الصّوم تجديد روحيّ وعمليّ
لا يقتصر الصّوم فقط على البُعد الجسديّ المتمثِّل في الامتناع عن الطّعام، وإماتة الجسد، بل يتعدّاه أيضًا إلى فعل توبة صادقة، وإلى سكبٍ للقلب وانسحاقٍ للنّفس، بالإقرار بضعفنا وخطايانا، لنسلك طريق الفرح الرّوحيّ. الصّوم هو زمن تقترن فيه التّوبة مع النّدامة على الخطايا والتّعهُّد بعدم العودة إليها. وهو زمن صلاة، حيث يتّحد المؤمن بالله في حوار حيّ. وهو أيضًا زمن رحمة وعمل محبّة، حيث يُدعَى المؤمن إلى أن “يكسر خبزه للجائع” (را. أش٥٨: ٧)، فيجعل من الصّوم فعل عطاء ومشاركة.
هذا ما يؤكّده قداسة البابا لاون الرّابع عشر في رسالته بمناسبة زمن الصّوم الكبير لهذا العام 2026: “في الواقع، امتناعنا عن الطّعام هو تدريب للقيام بأعمال زهديّة وهو قديم جدًّا ولا غنى عنه في مسيرة التّوبة. ولأنّه يشمل الجسد، فإنّه يُظهِر بوضوح ما نحن “جائعون” إليه وما نعتبره أساسيًّا لبقائنا. فهو يساعدنا إذًا على أن نميّز “بين الأمور الّتي نشتهيها” لننظّمها، ونحافظ على جوعنا وعطشنا إلى البرّ، فنبتعد عن الاستسلام، ونجعل رغباتنا تصير صلاة ومسؤوليّة نحو القريب” (قداسة البابا لاون الرّابع عشر، رسالة الصّوم 2026، الإصغاء والصّوم- الزّمن الأربعينيّ زمن التّوبة).
إنّ دعوة يوئيل النّبيّ “قَدِّسوا صومًا ونادوا باحتفال” تختصر جوهر زمن الصّوم الكبير: قداسة واحتفال في آنٍ واحد. قداسة، لأنّه يُكرِّس القلب لله، واحتفال لأنّه ينفتح على فرح الغفران والقيامة. الصّوم زمن التّوبة، أيّ مسيرة العودة إلى الآب السّماويّ، والحرّيّة الدّاخليّة، والمحبّة السّخيّة تجاه القريب. وهكذا يشكّل هذا الزّمن المقدّس مدرسة روحيّة تُدخِلنا في عمق سرّ الفصح، حيث يتحوّل الحرمان إلى امتلاء، والدّموع إلى فرح، والصّرخة إلى نشيد شكر لله على مواهبه وعطاياه.
5. خاتمة
الصّوم مسيرة ارتقاء وفرح واتّحاد باللَّه، إنّه زمن يبتعد فيه المؤمن عن الأمور الدّنيويّة ليكرِّسَ ذاته للاحتفال بالرّبّ، فينفتح على عمل الرّوح القدس، ويتهيّأ للقاء الفرح الأعظم: قيامة المسيح، عربون الحياة الجديدة. وفي هذا الزّمن المقدّس، مع مار يعقوب السّروجي، نرفع إلى الرّبّ صلاتنا: «ܫܽܘܒܚܳܐܠܰܐܒܳܐܕܰܒܝܰܕܨܰܘܡܳܐܠܪܽܘܓܙܳܐܡܰܥܒܰܪ،ܘܣܶܓܕܬܳܐܠܰܒܪܳܐܕܰܒܝܰܕܕܶܡܥ̈ܶܐܚܰܘ̈ܒܶܐܫܳܒܶܩ،ܬܰܘܕܺܝܠܪܽܘܚܳܐܕܰܡܩܰܒܠܳܢܰܐܗ̱ܘܕܟܽܠܬܰܝ̈ܳܒܶܐ. ܩܰܒܶܠܨܰܘܡܰܢܡܳܪܳܐܛܳܒܳܐܘܪܰܚܶܡܥܠܰܝܢ»،وترجمته: “المجد للآب الّذي يرفع الغضب بواسطة الصّوم، والسّجود للإبن الّذي يغفر الذّنوب بواسطة الدّموع، الشّكر للرّوح القابل كلّ التّائبين. إقبل صومنا، أيّها السّيّد الصّالح، وارحمنا” (من باعوث أيّ طلبة مار يعقوب السّروجيّ، صلاة القومة الرّابعة من ليل الخميس من الأسبوع الأوّل من الصّوم، كتاب الفنقيث، الجزء الرّابع، صفحة 137-138).
ختامًا، نسأل الله أن يتقبّل صومكم وصلاتكم وتوبتكم وصدقتكم، ويؤهّلنا جميعًا لنحتفل بفرح بعيد قيامته المجيدة من بين الأموات. ونمنحكم، أيّها الإخوة والأبناء والبنات الرّوحيّون الأعزّاء، بركتنا الرّسوليّة عربون محبّتنا الأبويّة. ولتشملكم جميعًا بركة الثّالوث الأقدس: الآب والإبن والرّوح القدس، الإله الواحد. والنّعمة معكم.”
يوحنّا العاشر: هلمّ أيّها الختن السّماويّ وكن معنا في سفينة عمرنا
تيلي لوميار/ نورسات إلى رعاة الكنيسة الأنطاكيّة المقدّسة وأبنائها وبناتها، وجّه بطريرك أنط…
