‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

الأباتي رزق: الرّجاء الصّادق يولّد شفاءً روحيًا وسلامًا حقيقيًا

تيلي لوميار/ نورسات

ترأّس الرّئيس العامّ للرّهبانيّة المارونيّة المريميّة الأباتي إدمون رزق القدّاس الالهيّ في ذكرى مرور 32 سنة على تفجير كنيسة سيّدة النّجاة- ذوق مكايل، عاونه رئيس الدّير الأب يوسف بطرس والأب حنّا الطّيّار رئيس مدرسة سيّدة اللّويزة ولفيف من الآباء، بحضور فعاليّات وعائلات الشّهداء.

بعد تلاوة إنجيل شفاء المنزوفة، ألقى الأب العامّ عظة بعنوان: “لا تخف، يكفي أن تؤمن…” (لو8/ 50)، وقال: “ابنة يائيرس مريضة، على فراش الموت، بحاجة إلى عجيبة شفاء… ونازفة خجولة تتخطّى جمعًا غفيرًا لتصل إلى الشّافي!

الجمع يسير مع يسوع ويزدحم حوله… بلبلة عظيمة ولكنّ الرّبّ الحاضر يسمع ويشعر ويرى؛ يسمع حسرات الموجوع، ويشعر بلمسة الوحيد والمريض والمتروك… ويرى بين الجموع كلّ النّوايا وكلّ المسائل، وكلّ ما يستر عن العيون!

وفي لحظة، يقف يسوع ويسأل: “من لمسني؟” ولا أحد يجيب!

يتساءل السّامعون من غرابة السّؤال لأنّ الكلّ يريد أن يلمس يسوع، الكلّ يحتكّ به، وهم معه وحوله وقربه وبعده…ولكنّ شخصًا واحدًا، لمسه بإيمان ورجاء: نازفة فقدت الأمل بالشّفاءات الطّبّيّة، تخطّت شجاعتها ورغبتها بالشّفاء كلّ تلك البلبلة واقتربت منه لتتقوّى من قوّته فتشفى …

أمّا سؤالنا الأوّل اليوم، في الذّكرى الثّانية والثّلاثين على انفجار كنيسة سيّدة النّجاة، واستشهاد المؤمنين فيها، فهو: ألا نزال ننزف من جرّاء الانفجار؟ أم شفينا بالاقتراب من يسوع أكثر ولمسنا قوّته في رجائنا، ونحن نجاهر بإيماننا أمام الكثيرين ونعترف أنّه هو الشّافي الوحيد لكلّ نزف ولكلّ علّة؟

مرّت اثنان وثلاثون سنةً على انفجار، أسقط حجارة هذه الكنيسة، وأنزف قلوبًا كثيرةً. في هذا المساء، لن نستعيد مشاهد التّفجير، وما أكثرها في تاريخنا اليوم، بل سنتوقّف عند التّفجيرات الخفيّة الّتي تتكرّر في حياتنا كلّ يوم، فتفتّت وحدتنا وتنهش رجاءنا وتسلبنا السّلام. فكنيسة الله ليست هيكلًا من حجر، بل قلوب من لحم ودم، وأرواح لا ترتاح إلّا حين تتّحد بالله. أتعلمون أنّكم بالاستسلام للضّعف والتّركيز على المادّة، من دون صقل الرّوح وتغذيتها، تصبحون أداةً لتفجير الكنيسة؟

-كلّ مرّة نختار الخير المادّيّ على خير النّفوس، نسيء إلى الكنيسة.

-كلّ مرّة نتكلّم بالسّوء على مسؤولينا الرّوحيّين ونشكّك بصفاء نواياهم، نزلزل الكنيسة.

-كلّ مرّة لا نصالح أخانا قبل تقدمة القربان، نرفض تعاليم يسوع ونجرح الكنيسة.

-كلّ مرّة يتقدّم الكبرياء وعرض الذّوات على التّواضع وعمل الرّحمة، نفجّر الكنيسة.

-كلّ مرّة نتكاسل عن لقاء الرّبّ في الأسرار، نفجّر الكنيسة…

-كلّ مرّة نختار العالم ونبتعد عن الله، نفجّر الكنيسة…

الكنيسة هي جسد يسوع السّرّيّ، ونحن هياكل الرّوح القدس، فكيف نسعى لكلّ نجاح ولا نسعى، ولو بلمسة أن نقترب من يسوع؟ كيف لا نواجه ضعفنا، فنتخطّى التّحدّيات لنصل إلى يسوع ونلمس طرف ثوبه؟

أنظروا إلى النّازفة الّتي تقدّمت برجاء خجول، ولمست طرف ثوب المسيح، فنالت الشّفاء لعمق ثقتها به. إنّ هذه المرأة هي صورة كلّ جماعة تنزف: تنزف من التّعب، من الفساد، من اليأس، من الخوف، من التّعلّق بكلام النّاس وأحكامهم… وهي أيضًا صورة الرّجاء الّذي لا يستسلم. خجلت من وجه الرّبّ ومن كلام النّاس، فأتت من الخلف سرًّا، ترجو في قلبها الشّفاء. فكان لإيمانها أن ينقلها من الخوف إلى الشّفاء، ومن العزلة إلى العلانيّة ومن قلق القلب إلى السّلام.

أمّا سؤالنا الثّاني، فهو: هل الرّجاء يأتي من الشّفاء، أم الشّفاء من الرّجاء؟ 

الجواب أيّها الأحبّة، هو سرّ تبادليّ: الرّجاء الصّادق يولّد شفاءً روحيًّا وسلامًا حقيقيًّا، والسّلام في القلب من الإيمان يغذّي الرّجاء ويثبّته. الرّجاء ليس أمنيةً عابرة، بل فعل ثقة بالله وبالإنسان وبالمستقبل، يترجم التزامًا بالمحبّة والصّلاة والثّقة بعناية الله الّتي تفوق كلّ تدبير. وحين نرجو بالحقّ، نصنع السّلام!

تعالوا، هذا المساء، نجعل من هذه الذّكرى طريق عبور من النّزيف إلى الشّفاء، ومن الخوف إلى الإيمان.

– أوّلًا: بتوبة صادقة تبدأ من معرفة الذّات. كفى تبريرًا لأنانيّتنا باسم الضّرورات.

– ثانيًا: بمصالحة شجاعة تشفي الذّاكرة ولا تمحوها.

– ثالثًا: بثقافة كلمة تبني ولا تهدم: فنحن نؤمن بالكلمة المتجسّدة، الإله الحيّ الّذي انحدر من السّماء ليسكن بيننا، ويقرّبنا من السّماء. لنجعل من ألسنتنا جسرًا للسّلام لا فتيلًا لتفجيرات عديدة.

وبينما يائيرس يسأل يسوع شفاء ابنته، مرتميًا على قدميه، والنّازفة تقترب من الرّبّ وتسرق منه الشّفاء، يؤكّد لنا يسوع بأنّ الشّفاء الحقيقيّ يبدأ بالإيمان “لا تخف، يكفي أن تؤمن!” ويفتح طريق السّلام: “يا ابنتي، إيمانك خلّصك. اذهبي بسلام”. لأنّه حين يلتقي رجاء متواضع بإله أمين، يولد السّلام في القلوب، ويتحوّل إلى عمل في الجماعة. هكذا نشفى: بإيمان عامل بالمحبّة وحامل السّلام!

أيّها الإخوة والأخوات، في هذه الذّكرى نجدّد عهدنا:

– أن نحفظ وحدة الكنيسة والوطن، بالإيمان بأنّ الله وحده يشفي كلّ نزيف.

– أن نبني السّلام رجاءً وفعلًا: نزرع بذور الحوار، نحسن الإصغاء، ونلتقي بالحقّ.

– أن نجعل من الصّوم مسيرة رجاء: صلاةً تنقّي القلوب، تحرّرًا من التّعلّقات الممرضة، وصدقةً تضمّد نزيف المحتاجين. حينئذ، تصبح تقدمة الشّهداء كزيت للشّفاء.

رحم الله الشّهداء، وحفظ كنائسنا وجماعاتنا، وصان وطننا. ليكن هذا اليوم دعوةً إلى ضمير جديد، ومسؤوليّة جديدة، وبناء جديد. ولتكن صلاة النّازفة، وهي تلمس طرف ثوب الرّبّ برجاء صادق، صلاتنا جميعًا: يا ربّ، امنحنا نعمة الشّفاء واعطنا في قلوبنا وبيوتنا ومجتمعنا، السّلام الّذي ينمو من رجاء أمين، واجعل رجاءنا خصبًا بسلام عادل ودائم.آمين”.

‫شاهد أيضًا‬

العبسيّ: لنصلّ لكي يُنبت الرّبّ الإله فينا قدّيسين

تيلي لوميار/ نورسات رفع بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الملكيّين الكاثوليك يوسف العبسي…