خيرالله في عيد مار يوحنّا مارون: لنكن خميرة في هذا الشّرق المعذّب والتّائق إلى السّلام الدّائم والعادل

تيلي لوميار/ نورسات
ترأّس راعي أبرشيّة البترون المارونيّة المطران منير خيرالله قدّاس عيد مار يوحنّا مارون، البطريرك الأوّل للموارنة، في الكرسيّ الأسقفيّ في كفرحي، عاونه فيه نائبه العامّ المونسنيور بيار طانيوس بمشاركة رؤساء أديار وكهنة الأبرشيّة، بحضور عدد من الفعاليّات.
بعد الإنجيل، ألقى خيرالله عظة بعنوان: “أنتم ملح الأرض، أنتم نور العالم”، قال فيها بحسب “الوكالة الوطنيّة للإعلام”: “نحن هنا اليوم، في عودةٍ إلى جذورنا الرّوحانيّة والتّاريخيّة والكنسيّة، لنعيّد معًا مار يوحنّا مارون البطريرك المارونيّ الأوّل ومؤسّس الكنيسة البطريركيّة المارونيّة ومطلق مسيرتها الرّسوليّة والإرساليّة، من هنا من كفرحي، في نهاية القرن السّابع؛ ثمّ انتشرت في العالم حاملةً الرّسالة الإنجيليّة بنكهة مارونيّة في طاعةٍ للرّبّ يسوع الّذي يقول لأبنائها وبناتها، كما قال لرسله وتلاميذه: “أنتم ملح الأرض! أنتم نور العالم!”. لكن الويل لكم إذا فسُدَ ملحكم، فبأيّ شيء يملَّح، والويل لكم إذا تحوّل نوركم ظلامًا، فمن يضيئ عتمة العالم؟
والنّكهة المارونيّة هي طعم السّماء على الأرض في عيشٍ لروحانيّة نسكيّة وضعها القدّيس مارون النّاسك نهجًا لحمل الصّليب مع المسيح، صليب الموت والقيامة. وتتميّز هذه الرّوحانيّة، في بعدها النّسكيّ العموديّ، بعلاقة مع الله عيشًا في العراء على قمم الجبال أو في قعر الوديان، وفي الصّوم والسّهر والصّلاة والوقوف المستمرّ والعمل في الأرض. وتتميّز، في بعدها الرّساليّ الأفقيّ، في العلاقة مع النّاس في الانفتاح الرّسوليّ والثّقافيّ والإنسانيّ على جميع الشّعوب.
تبنّى تلاميذ مار مارون هذه الرّوحانيّة وعاشوها على قمم جبال لبنان أو في وديانه جامعين حولهم شعبًا دُعي باسم مارون. وانتظموا مع مار يوحنّا مارون في كنيسة بطريركيّة كانت مرجعهم وملاذهم وبوصلتهم في شقّ طريقهم حاملين رسالة مميّزة في الشّرق كما في الغرب.
واجهوا بصمود وعناد الاضطهادات والحروب والتّهجير وقدّموا شهداء وأعطوا قدّيسين، محافظين على ثوابتهم الخمسة، وهي:
1- إيمانُهم الرّاسخ بالله ورجاؤهم بالمسيح الّذي لا يخيّب.
2- حرّيّتُهم، المستقاة من حرّيّة أبناء الله، وقد أصبحت من مقدّساتهم.
3- تعلّقهم بأرضهم المقدّسة الّتي اعتبروها عطيّة من الله ووقفًا له، وقد أصبحت واحدة من عناصر هويّتهم.
4- إنفتاحهم على العالم بحبّ العلم والثّقافة.
5- تكوكبهم حول البطريرك، رأسِ كنيستهم وأبيهم وقائدهم الرّوحيّ والزّمنيّ، ورمز وحدتهم وضمانة وجودهم.
ونجحوا في جعل جبل لبنان معقلًا للحرّيّات الّتي مارسوها مع المضطَهدين من شعوب المنطقة، مسيحيّين ومسلمين ودروزًا، وعاشوا معهم بالتّفاهم والاحترام المتبادل، بالرّغم من بعض الأحداث الدّامية. وكانوا بينهم كالملح والنّور يشهدون بأعمالهم الصّالحة للآب السّماويّ. وبدأوا معهم، منذ بداية القرن السّادس عشر، بتأسيس الكيان اللّبنانيّ والذّاتيّة اللّبنانيّة. وتوّجوا مسيرتهم في بداية القرن العشرين، بقيادة البطريرك الياس الحويّك، بتأسيس “دولة لبنان الكبير” سنة 1920، دولة المواطنة الّتي تضع الانتماء الوطنيّ قبل الانتماء الطّائفيّ والحزبيّ والعائليّ، وبإبرام “الميثاق الوطنيّ” سنة 1943 الّذي نظّم أسس الحكم في الاعتراف بخصوصيّات سبع عشرة جماعة أو طائفة في الجمهوريّة اللّبنانيّة يعيش أبناؤها معًا في الحرّيّة والدّيمقراطيّة واحترام التّعدّديّة. وقد اعترفت لهم دول العالم وقادتها والكنيسة الجامعة والبابوات بهذه الميزة الفريدة. وكان الشّاهد الأكبر لذلك القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني الّذي أكّد أنّ “لبنان هو أكثر من بلد. إنّه رسالة حرّيّة ونموذج في التّعدّديّة للشّرق كما للغرب”. وجاء بعده البابا فرنسيس ليقول: “نريد أن نؤكّد بكلّ قوّتنا أنّ لبنان هو، ويجب أن يبقى، مشروع سلام. رسالته هي أن يكون أرض تسامح وتعدّديّة، وواحة أخوّة تلتقي فيها الأديان والطّوائف المختلقة، وتعيش فيها معًا جماعات مختلفة، وتفضّل الخير العامّ على المصالح الخاصّة”. وجاءنا أخيرًا قداسة البابا لاون الرّابع عشر يقول لنا من لبنان: “أنتم شعب لا يستسلم، بل يقف أمام الصّعاب ويعرف دائمًا أن يولد من جديد بشجاعة”. “أنتم بلد متنوّع، وجماعة مكوّنة من جماعات، لكن موحّد بلغة واحدة غير اللّغة العربيّة اللّبنانيّة، هي لغة الرّجاء”.
يا أبناء مارون ويوحنّا مارون، ويا أخوتنا اللّبنانيّين، نحن مدعوّون اليوم، فيما نتشارك بمسيرة الصّوم هذه السّنة، مسيحيّين ومسلمين، وهي علامة من الله لعيشنا الواحد، إلى وقفة ضمير ومراجعة صريحة وفعل توبة صادق بعد خمسين سنة من الحروب الّتي دارت على أرضنا والّتي خلّفت قتلًا ودمارًا وتشريدًا وانحطاطًا أخلاقيًّا وقيميًّا وتدنّيًا ثقافيًّا وتراجعًا ديمغرافيًّا وهجرةً متزايدة. نحن مدعوّون إلى القيام بعمليّة تنقية الذّاكرة وشفاء جراح الماضي؛ فنجلس معًا ونتحاور بصدق ومحبّة وصراحة، ونقرأ تاريخنا معًا بالإصغاء المتبادل، ونقوم بفعل توبة صادق لنطلب المغفرة من الله ومن بعضنا البعض وتكون لنا الجُرأةُ لنعترف بأخطائنا ونعتذر عن الإساءات الّتي ارتكبناها بحقّ الله وبحقّ بعضنا البعض وبحقّ وطننا لبنان. ولنبدأ “بنزع السّلاح من قلوبنا”، كما طلب منّا قداسة البابا لاون الرّابع عشر، ولنعملْ معًا على “بناء ثقافة المصالحة والسّلام” في عائلاتنا وفي مؤسّساتنا التّربويّة وفي مجالسنا، “ونُسقط دروع انغلاقاتنا العرقيّة والسّياسيّة، ونفتح انتماءاتنا الدّينيّة على اللّقاءات المتبادلة، ونوقظ في داخلنا حُلمَ لبنان الموحّد”.
أعطنا يا ربّ، في عيد مار يوحنّا مارون، أن نجدّد التزامنا بالدّعوة الّتي دعينا إليها، فنكون ملحًا ونورًا وخميرة في هذا الشّرق المعذّب والتّائق إلى السّلام الدّائم والعادل وبخاصّة بعد اندلاع الحرب الأخيرة منذ يومين، ونشهد أنّنا أبناء أبينا الّذي في السّماوات”.
بعد القدّاس، استقبل المطران خيرالله المهنّئين بالعيد في صالون الدّير.
العبسيّ: لنصلّ لكي يُنبت الرّبّ الإله فينا قدّيسين
تيلي لوميار/ نورسات رفع بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الملكيّين الكاثوليك يوسف العبسي…
