ساكو في أولى محاضرات الصّوم: الأخلاق إلى أين؟

تيلي لوميار/ نورسات
إفتتح بطريرك الكلدان مار لويس روفائيل ساكو مساءً أولى محاضرات زمن الصّوم حول الأخلاق، متوجّهًا إلى الأهل، بخاصّة المسيحيّين، بمجموعة إرشادات أبويّة من أجل المحافظة على أولادهم.
وقال ساكو في محاضرته بحسب إعلام البطريركيّة:
“تأتي محاضرتي هذه في إطار سلسلة محاضرات الصّوم الكببر الّتي تهدف إلى تجديد الذّات والتّمسّك بالأخلاق الحميدة، والتّقدّم الرّوحيّ والإنسانيّ. شكرًا للآباء الكهنة الّذين اعدَّوا سلسلة هذه المحاضرات عن الصّوم في مساءِ كلِّ أربعاء في هذه الكنيسة.
تعريف الأخلاق
كلمة الأخلاق تأتي من فعل خَلَقَ، أوجدَ الّذي يعود إلى الخالق: “ورأى الله أنّ كلَّ شيءٍ كان حسنًا” (تكوين1/10). من المفروض أن يتحوّلَ هذا الخَلْق الحَسَن، إلى خُلْقٍ حَسَنٍ عبر التّحلّي بالصّفات الإنسانيّة والاجتماعيّة والفكريّة والرّوحيّة، وينمو ويترسّخ، ويُعَزِّز العلاقات المجتمعيّة للعيش الأخويّ المتناغم.الأخلاق مساحة رجاء وخدمة، وأساس تحقيق العدالة الاجتماعيّة والسّلام بشجاعة، لأنّ لا سلام من دونها.
الأخلاق الحميدة واضحة المعالم تتجلّى في العلاقات مع الآخرين. الأخلاق هي مجموعة مبادئ وقيم إنسانيّة واجتماعيّة ودينيّة تُعَدُّ أساسًا متينًا لبناء شخصيٍّة سويّةٍ، ومجتمعٍ متماسك، يُعزّز الاحترام المتبادل والألفة والوئام والتّعاون والتّضامن.
تراجع الأخلاق
للأسف إنّ كلَّ شيءٍ تغيّر في عالمنا الحاضر. النّظام الدّوليّ الّذي اعتدناه انتهى كما يصرّح بعض القادة الكبار، والأخلاق الاجتماعيّة أصبحت نسبيّة، والنّتيجة، كثرت الصّراعات والحروب وأثقلت كاهل النّاس.
ما نُشاهده اليوم من تراجع الأخلاق، أمرٌ صادمٌ ومقلقٌ ومخيفٌ، لم نألفه من قبلُ! لا يوجد وازع ضميريّ للمواقف والأفعال. نشعر وكأنّنا في غابةٍ لإشباع الإنسان رغباته. النّاس يتقلّبون وفق مصالحهم. الغاية تبرّر الوسيلة، من أجل إبراز الذّات وتمجيدها، وتبرير الفساد والكذب والتّزوير، ونشر فيديوهات وتسريبات صوتيّة مفبركة بالذّكاء الاصطناعيّ والتّخوين والسّبّ، فضلًا عن التّطرّف الأعمى.
لقد ساهمت وسائل التّواصل الاجتماعيّ بكلِّ أشكالها، في تراجع الأخلاق بشكل رئيسيّ. وبإنتشارها الواسع خلقت فضاءً مفتوحًا وقبولًا لا واعٍ، وإرباكًا في الرّؤية، وتراجعًا للأخلاق الاجتماعيّة والدّينيّة بشكل متسارع في البيت والمدرسة والمجتمع. للأسف أصبحنا كلّنا سجناء الموبايل.الله يستر!
نأسف لما حصل بسبب قصّة يونان وموضوع القوميّة. ما حصل مؤلم. نحن كنائس متعدّدة، لكن واحدة في الجوهر. وقوميّات متنوّعة ينبغي الاعتراف بها، وقبولها بمحبّة واحترام ومن دون تمييّعها بتعصّب. كلّ واحدٍ حرٌّ أن يتباهى بكنيسته الرّسوليّة، وقوميّته: الكلدانيّ والسّريانيّ والآشوريّ والأرمنيّ. هذا التّنوّع غنىً وقوّة للتّعاون، وليس مشكلة حفاظًا على مستقبل أولادنا ومجتمعاتنا أكثر مراحل حياة الإنسان ضعفًا هي طفولته، لذا من الأهمّيّة بمكان الاهتمام بتنشئة أولادكهم. إنّهم الذّهب الحقيقيّ لكم، وليس المعدن الأصفر!
1. التّربية البيتيّة تتطلّب المتابعة المستمرّة من قبل الوالدين عن كثب لبناء شخصيّة أولادهم شخصيّة قويّة ومستقلّة، من دون دلال spoiling، الّذي يخلق عندهم شخصيّة مائعة، والتّركيز على الصّحّة النفّسيّة والأخلاقيّة. على الوالدين متابعتهم بذكاء لاكتشاف الأخطاء وتقويمها بحرص. إنّهم يحتاجون إلى إنضاج عقولهم، والتّعلّم وتمكينهم من تمييز الأشياء الجيّدة من الشّرّيرة، وتنشئتهم على الصّدق والنّزاهة والشّفافيّة، والأمانة، والرّحمة. وتنظيم سلوكهم، وتأطير احترام الآخرين، والحماية من العنف اللّفظيّ أو اليدويّ. درّبوهم على الاعتراف بالخطأ والمغفرة والمصالحة وليس على الانتقام: “أغفر لنا كما نحن نغفر لمن أخطأ إلينا” (متّى 6/12).
2. متابعة هواتفهم النّقّالة.
3. إرسالهم إلى دورات التّعليم المسيحيّ في الكنائس حيث تعلّمنا نحن الكبار إيماننا وأخلاقنا وتربّينا وكبرنا.
4. مرافقتهم إلى القدّاس يوم الأحد والصّلاة معهم. إنّنا نلاحظ بألم غياب الأطفال والأحداث عن القدّاس والصّلاة. أعلنوا لهم في البيت كلمة الله في الكتاب المقدّس بمقاطع مختارة ومفهومة وليس بطريقة التّلقين كالببغاء.
5. أهمّيّة الثّقافة الاجتماعيّة والتّمرّن على أصول الآداب العامّة الّتي تشكّل ركنًا أساسيًّا في بناء إنسان متوازن ومجتمع سليم…
الأخلاق المسيحيّة
ترتكز الأخلاق المسيحيّة على الكتاب المقدّس، أيّ الإيمان بالله، مصدر الخير والحقّ. وإنّ الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله (تكوين 1/26)، ومدعوّ للعيش في المحبّة والاستقامة والفضيلة كما جاء في الوصايا العشر، وتعليم الكنيسة.
المسيح رفع مستوى الشّريعة من مجرّد التزام خارجيّ إلى التّغيير الدّاخليّ في الوجدان والسّلوك. إنّه يُرشدنا نحو المعنى الحقيقيّ للحياة كما يريدها الله.
سأل شابٌ يسوع قائلًا:ماذا عليّ أن أفعل لأرث الحياة الأبديّة؟ أجاب يسوع احفظ الوصايا العشر، لكنّه أضاف عليها نكهةً جديدةً، وأفقًا جديدًا في سياق العهد الجديد “شريعة كمال المحبّة”: أحبّ قريبك كنفسك”. فالخير ليس شيئًا مادّيًّا خارجيًّا، بل هو بجودة العلاقات الشّخصيّة مع الله، ومع الآخرين، علاقات محبّة ورحمة وعدل وتضامن والوقوف إلى جانب الفقراء والضّعفاء والمهمّشين.
تبقى الوصايا العشر وثيقة الصّلة بالأخلاق في كلّ زمان ومكان، فهي الشّهادة الفريدة الّتي تُعدّ أساسًا لكلّ لاهوت وحياة دينيّة. يقول البابا الرّاحل يوحنّا بولس الثّاني، إنّها تُمثّل “شكل” و”شرط” الإيمان المسيحيّ، والأخلاق السّامية الّتي بشّر بها يسوع.
تعليم الكنيسة:
1. الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، يتمتّع بكرامة غير قابلة للمساس، ومدعوّ إلى الحرّيّة المسؤولة.
يُشدّد تعليم الكنيسة على: قدسيّة الحياة البشريّة، احترام الجسد الّذي ليس وعاء للشّهوات- الغرائز، إنّما يعكس شخصيّتنا، ولا ننسى أنّه”هيكل الرّوح القدس” (1 كورنثوس 6/19).
2. الضّمير، هو “الصّوت الدّاخليّ”الّذي يمكّن الإنسان من التّمييز بين الخير والشّرّ، والحثّ على فعل الخير وتجنّب الشّرّ.
لذلك يجب تكوين الضّمير بحسب وصايا الله وتعليم الكنيسة، وتجنّب النّسبيّة الأخلاقيّة والخطيئة باختيار واعٍ وحرّ لأنّها هدّامة للشّخص نفسه وللعلاقة مع الله ومع الآخرين.
أخيرًا الصّلاة والأخلاق في التّعليم المسيحيّ ليست مجرّد قوانين، بل دعوة إلى حياة داخليّة نعكسها في أقوالنا ومواقفنا في المحبّة والحقيقة والقداسة والثّبات على مثال المسيح، بتعاوننا مع نعمة الله.
بهذه الرّؤية الأخلاقيّة والتّعليم الرّوحيّ، نصون الإنسان والمجتمع ونزرع الرّجاء بمستقبل أفضل.”
أفرام الثّاني اجتمع بالمطران ملكي وإكليروس كنيسة السّريان الأرثوذكس في ملبورن
تيلي لوميار/ نورساتفي إطار زيارته إلى ملبورن، اجتمع بطريرك السّريان الأرثوذكس مار إغناطيوس…
