ما هي الصّلاة الّتي يطلبها يسوع من الكهنة والمؤمنين؟

تيلي لوميار/ نورسات
إجتمع راعي أبرشيّة زحلة المارونيّة المطران جوزف معوّض بكهنة الأبرشيّة يوم السّبت.
وللمناسبة، تأمّل وإيّاهم بإنجيل مر 11/ 19- 25، غائصًا بموضوع الصّلاة، فقال: “هذا النّصّ من مرقس هو في الفصل 11/19-25. والفصول 11 حتّى 13 في انجيل مرقس، تروي عن رسالة يسوع في أورشليم (راجع مقدّمة إنجيل مرقس في الكتاب المقدّس قراءة رعائيّة، طبع جمعيّة الكتاب المقدّس، ص 74). ويظهر في الفصل 11 أنّه لم يكن يبيت في أورشليم، فلمّا عاد إليها في الصّباح مع تلاميذه، كانت التّينة الّتي لعنها بالأمس يبست. ففي اليوم السّابق رأى يسوع التّينة وأراد أن يأكل منها لأنّه كان جائعًا، ولكنّه لم يجد فيها ثمر (راجع مر 11/12-13) فقال لها: “لا يأكل أحد ثمرًا منكِ إلى الأبد” (مر 11/14). هذه التّينة غير المثمرة هي رمز للشّعب القاسي. فهذا الشّعب كان معاصرًا للمسيح، وشهد رسالته وآياته الّتي تدلّ على هوّيّته أنّه ابن الله، ولكنّ الشّعب لم يثمر، أيّ أنّه لم يتب ويؤمن. ويباس التّينة نتيجة كلام يسوع، كان مناسبة ليدعو يسوع التّلاميذ إلى الصّلاة بإيمان فيتحقّق ما يطلبونه، فهو قال: “لهذا أقول لكم: كلّ ما تسألونه في الصّلاة، آمنوا أنّكم نلتموه، فيكون لكم” (مر 11/24). موضوع تأمّلنا اليوم هو الصّلاة. سوف نتأمّل بالصّلاة في حياة المسيح، وفي حياة الكاهن، وبارتباطها بميزات أربع ذكرها الإنجيل، وهي الإيمان، والغفران، والتّواضع، والأفعال.
الصّلاة أساسيّة في حياة المسيح. فهو كان دائمًا يصلّي. كان يستيقظ قبل الفجر ويذهب إلى مكان قفر ليصلّي (را مر 1/35). وفي مرّات أخرى كان يقضي اللّيل كلّه في الصّلاة (را لو 6/12). وكان يعتزل في البراري ليصلّي (را لو 5/42). وصلّى في مناسبات مختلفة، مثلًا فور معموديّته (را لو 3/21)، وقبل اختيار الرّسل الاثني عشر (را لو 6/12)، وعند التّجلّي (را لو 9/29)، وقبل إحياء لعازر (را يو 11/41-42)، وصلّى الصّلاة الكهنوتيّة الّتي تشفّع فيها لتلاميذه وللمؤمنين به ليظلّوا واحدًا (را يو 17)، وصلّى في بستان الزّيتون قبل آلامه (را متّى 26/36-44). كانت حياة المسيح كلّها مطبوعة بالصّلاة. وكان يعطي الوقت للصّلاة بسخاء كقضاء اللّيل فيها. وكان يختار لها أماكن الهدوء والعزلة، كالقفر. ونميّز بين أوقات الصّلاة الدّائمة في حياته اليوميّة، والصّلاة المرتبطة بظروف ذات أهمّيّة خاصّة أو صعبة، كالصّلاة قبل اختيار التّلاميذ، أو قبل الآلام.
كذلك المسيحيّ والكاهن بصورة خاصّة هو مدعوّ أن تكون حياته مطبوعة بالصّلاة، أيّ أن تكون الصّلاة محطّة أساسيّة ويوميّة في حياته. والصّلاة هي لقاء حضوريّ مع الله، فيه تؤثّر قداسة الله على الإنسان، وفيه ينمّي الله لدى الإنسان الصّورة والمثال الإلهيّين. ولدينا مثل مع موسى الّذي عندما صعد إلى الجبل وصلّى وصام أصبح وجهه مشعًّا لأنّه التقى الله (را خر 34/29-30). والصّلاة ضروريّة لأنّها تمكّنه من أن يعيش هويّته المسيحيّة الّتي هي في أساس هويّته الكهنوتيّة. والتّراخي في الصّلاة هو التّراخي في الهويّة المسيحيّة والهويّة الكهنوتيّة. وبدون الصّلاة، ينزلق المؤمن والكاهن في الرّوح العالميّة، الّتي تصبح ظاهرة في كلامه وتصرّفاته ومواقفه وانفعالاته. أمّا الصّلاة فهي تبني فينا الهويّة المسيحيّة والكهنوتيّة وتجدّدها، وتمكّنه من أن يؤدّي شهادة كمسيحيّ وككاهن. إنّها تحرّر المؤمن والكاهن من الميول المشتِّة للكيان، وتوحّده، وتوجّهه ليلتزم باتّباع المسيح، وبالرّوحانيّة الإنجيليّة.
وفي الصّلاة نعترف أنّنا خليقة لم نعطِ الحياة لأنفسنا ولسنا مصدر وجودنا، ولا نستطيع أن نكتفي بأنفسنا، ولكن حتّى نستمرّ في الحياة الّتي يريدها الله منّا، نحتاج حاجةً وجوديّةً إلى أن نظلّ مرتبطين بمرجعيّتنا الّتي هي الله. فنحن كما قال السّيّد المسيح، كالغصن المرتبط بالكرمة، إذا انقطع عنها يبس (را يو 15/4-6). وفي الصّلاة نستمدّ من الله النّعمة لنعيش هوّيّتنا المسيحيّة، هوّيّة أبناء الله، الّتي أعطاناها بالمعموديّة، والّتي تقتضي منّا كأبناء أن نعيش على مثال الابن، ولا نستطيع ذلك بدون صلاة. وبالصّلاة نشكر الله على الخلق والفداء ونسبّحه.
وكالمسيح، إنّ الكاهن مدعوّ أن تكون له أوقات سخيّة للصّلاة. ولا يمكنه أن يهملها تحت عذر كثرة العمل أو نقص الوقت أو التّعب، فهو إذا قصد مقصدًا صادقًا للصّلاة، وإذا كان مقتنعًا بضرورتها، يستطيع أن يجد الوقت دائمًا لها. والكاهن مدعوّ أن يصلّي كالمسيح في مكان قفر، أيّ في العزلة والهدوء، وهذا يساعده على تركيز كلّ انتباهه على الصّلاة، وهذا التّركيز دليل أيضًا على النّضوج الرّوحيّ.
وأنواع الصّلاة في حياة الكاهن متنوّعة. نذكر في الطّليعة صلاة الفرض وهي صلاة ليتورجيّة، يلتزم بأن يصلّيها لا فقط من أجل نفسه، بل باسم الكنيسة ومن أجل الكنيسة. وتوجد صلاة التّأمّل، خصوصًا بكلمة الله، وهي تساعد الكاهن على معرفة الغنى الرّوحيّ لهذه الكلمة، من أجل أن يغذّي نفسه ويغذّي المؤمنين. ويوجد نوع ثالث من الصّلاة وهي المرتبطة بأحداث حياتنا اليوميّة، وبالظّروف الّتي نواجهها، وهذا النّوع من الصّلاة حاضر في حياة يسوع، كالصّلاة قبل آلامه على سيبل المثال. في هذه الصّلاة يقدّم المؤمن أو الكاهن أحداث حياته والظّروف الّتي يعيشها لله، ويسأله العناية والمعونة(را CCC 2659-2660؛ 1بط 5/3).
إنّ الصّلاة الّتي يطلبها يسوع من كلّ مؤمن، ومن الكاهن بصورة خاصّة، الّذين هم مثال القطيع، لها ميزاتها في الإنجيل. إنجيل اليوم يذكر ميزتين وهما الإيمان والغفران.
ـ الصّلاة بإيمان: الإيمان الّذي يطلبه يسوع في الصّلاة، هو الثّقة بالله الّذي يستجيب لنا عندما نسأله أمرًا ما، فهو يقول: “كل ما تسألونه في الصلاة، آمنوا أنّكم نلتموه فيكون لكم” (مر11/24). تعبّر هذه الثّقة عن أنّ الله يسمع صلاتنا، لأنّه أب رحيم ومحبّ للبشر، يتدخّل ليعيننا ويعتني بنا بعنايته الإلهيّة، يعتني بحاجاتنا اليوميّة الزّمنيّة، كالحاجة إلى الخبز الّذي نطلبه في الأبانا، ويعتني بحاجاتنا الرّوحيّة كمغفرة الخطايا، كما نطلب أيضًا في الأبانا. وفي الصّلاة، نطلب من الله بإيمان لا عطايا محدّدة فقط، بل أيضًا أن يدبّر مجمل حياتنا وخدمتنا الكهنوتيّة لنعيش بالأمانة له. ودعانا يسوع عبر مَثَلي الصّديق الملح (را لو 11/5-13) والأرملة والقاضي الظّالم (را لو 18/1-8)، إلى المداومة على الصّلاة من غير ملل، أيّ أن تكون صلاتنا ثابتة ومستمرّة ولو لم ننل استجابة فوريّة. نحن مدعوّون أن نطلب بإيمان، والرّبّ يعرف كيف يستجيب ومتى يستجيب. وفي صلاة الطّلب بإيمان، نحن مدعوّون أن نُنهي صلاتنا بالاستسلام لمشيئة الله، كما فعل يسوع في بستان الزّيتون حين طلب أن تبتعد عنه الكأس، ثمّ أنهى صلاته مستسلمًا لمشيئة أبيه، قائلًا لتكن مشيئتك لا مشيئتي.
ـ الصّلاة والغفران: طلب السّيّد المسيح عندما نصلّي أن نغفر للآخرين حتّى نستطيع أن ننال غفران الله. وهذا ما نصلّيه في الأبانا: “اغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمن خطىء إلينا”. عادة، قبل أن نبدأ صلاتنا الّتي هي شركة مع الله، نطلب الغفران لأنفسنا لإزالة الخطايا الّتي هي حواجز أمام هذه الشّركة. والتّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة يفيد بأنّ طلب الغفران هو الحركة الأولى لصلاة الطّلب، ويذكّر في هذا المجال بصلاة العشّار ارحمني أنا الخاطىء (را لو18/13). هذا الطّلب هو المقدّمة لصلاة بارّة ونقيّة(را CCC 2631). ويقول مار اسحق السّريانيّ في هذا المجال: “إجعلني يا ربّ مستحقًّا أن أذوق النّدامة (contrition)، ففيها تُحفظ موهبة الصّلاة الطّاهرة” (St Isaac the Syrian, Ascetical Homilies, Homily 64, n. 311).ونيل الغفران يتطلّب أن نغفر نحن للآخرين، فنجدّد معهم شركة المحبّة. وعندما يكون الغفران صعبًا أحيانًا، نحن مدعوّون أن نطلب بتواضع المعونة من المسيح، وأن نتأمّل كيف غفر لصالبيه في عمق آلامه على الصّليب.
ـ ويذكر الإنجيل ميزة أخرى للصّلاة وهي التّواضع. فالمسيح دعا إلى التّواضع في الصّلاة عبر مثل الفرّيسيّ والعشّار (را لو 18/9-14). فالعشّار تبرّر لأنّه كان يطلب بتواضع في صلاته الغفران لنفسه، أمّا الفرّيسيّ فلم يتبرّر بسبب كبريائه، إذ اعتبر أنّه حصّل برارته بنفسه، أيّ بإتمامه مقتضيات الشّريعة من صوم وتعشير، وفضّل نفسه على العشّار والخاطئين. التّواضع موقف أساسيّ في الحياة المسيحيّة، ويظهر في الصّلاة، حين يطلب المؤمن الغفران على خطاياه،، ويغفر للآخرين، وحين ينتظر التّبرير من الله لا من قواه الذّاتيّة، لأنّ المؤمن هو المسكين بالرّوح، أيّ المحتاج إلى نعمة الله ورحمته، والمسيح يُثني على هذا المؤمن، فهو الّذي قال: “طوبى للمساكين بالرّوح فإنّ لهم ملكوت السّماوات” (متّى 5/3). ويظهر التّواضع في الصّلاة، حين يعترف المؤمن بعطايا الله له، كما فعلت مريم العذراء حين عظّمت الله لأنّه صنع لها العظائم (را لو 1/46-49).
ـ ويذكر الإنجيل ميزة أخرى للصّلاة، وهي ارتباطها بالأفعال. فيسوع طلب أن تكون الصّلاة مرتبطة بالأفعال، وألّا تفقد فعاليّتها. فهو الّذي قال للّذين يصلّون ولا يفعلون: “ما عرفتكم قطّ، إليكم عنّي أيّها الأثمة” (متّى 7/23). أمّا الصّلاة مع الأفعال فتشبه البناء الثّابت المبنيّ على الصّخر، وهي الصّلاة الصّادقة. فمن يصلّي بصدق هو الّذي تقوده صلاته إلى الالتزام بإرادة الله في أفعاله. فالمؤمن الصّادق، عندما يصلّي، لا يبقى كما هو، بل يسعى لتغيير حياته، بما فيها من إرادة ونيّة ومواقف وأفعال، لتكون مطواعة لإرادة الله. الصّلاة الخالية من الأفعال ومن الالتزام بإرادة الله، فيها رياء، وفي هذا المجال قال الرّبّ يسوع: “هذا الشّعب يكرّمني بشفتيه وأمّا قلبه فبعيد منّي” (متّى 15/8). عندما يمْثُل الإنسان للصّلاة، الرّبّ الّذي لا يغشّ ولا يُغشّ، والّذي يعرف أعماق القلوب، يعرف إذا كان صادقًا في صلاته ويسعى فيها إلى تغيير الذّات والقلب وإلى الأفعال الخاضعة لإرادته، أم أنّ صلاته محض شكليّة وقانونيّة وخارجيّة. وتكون الصّلاة شكليّة ومرائيّة، إذا صلّى المؤمن أو الكاهن، وبقي على عدم محبّته للآخرين، على كلامه المؤذي والجارح تصريحًا أو تلميحًا، على حسده، على كذبه ومواربته، على عدم عفّته، على بحثه بالخفاء لإيذاء الآخرين، على كبريائه وبحثه عن مجده الشّخصيّ بطرق واضحة أو ضمنيّة، على ترصّده الخبيث لنقائص الآخرين، على عدم رؤيته في الآخرين إلّا السّوء لا ما يفعلونه من خير من أجل الانتقاد فقط، على تعلّقه بالمال، على التّركيز فقط على مصالحه بدون التّفكير بخير الآخرين، على قطع الشّركة مع الآخرين.
أمّا الصّلاة الصّادقة فتظهر في الأفعال، أفعال الرّوح، وهي محبّة الآخرين الشّاملة، والانفتاح على الغير والتّواصل معهم، ونشر السّلام بالكلام والعلاقة، وبناء الشّركة مع الله والآخرين، والعمل بتجرّد، والعفّة، والكلام البنّاء، والقدرة على رؤية الخير عند الآخرين، والتّضحية من أجلهم، والصّدق في الكلام والتّصرّف. الصّلاة الصّادقة مثمرة.
أمّا الصّلاة غير المثمرة، كالتّينة اليابسة، لا تغيّر الإنسان، بسبب قساوة القلب، أيّ القلب الّذي يرفض نعمة الله الّتي تساعده على التّغيير. وعندنا مثل على ذلك في الكرم الّذي تحدّث عنه أشعيا (5/1-7). فهذا الكرم، بحسب أشعيا، زرعه الله في رابية خصبة، وحوّطه وحصّاه، وغرس فيه أفضل كرمة، ولكنّه لم يثمر إلّا حصرمًا. فقال الله: “أيّ شيء يُصنع للكرم ولم أصنعه لكرمي؟ فما بالي انتظرتُ أن يثمر عنبًا، فأثمر حصرمًا برّيًّا” (أشعيا 5/4). كذلك الصّلاة بدون أفعال، هي كالكرم غير المثمر، على الرّغم من كلّ نعم الله وعنايته بالّذي يصلّي. أمّا الصّلاة المثمرة بالأفعال، فهي تدلّ على المؤمن الّذي يقبل هذه النّعم ويتفاعل معها.
وفي هذا المجال، نرى عند مار اسحق السّريانيّ كيف أنّ طريقة الحياة والأفعال تعكس نوعيّة الصّلاة، فهو يقول: “كما تكون سيرتك في الحياة، هكذا تكون صلاتك أيضًا. لأنّه يستحيل على إنسان مرتبط بالأمور الأرضيّة أن يطلب ما هو سماويّ، والإنسان المنشغل بالشّؤون الدّنيويّة لا يستطيع أن يسأل ما هو إلهيّ. إنّ رغبة كلّ إنسان تنكشف من خلال أعماله، وفي أيّ الأمور يُظهر غيرته، من أجلها يجاهد في الصّلاة. أمّا الّذي يطلب الأمور العظمى، فلا ينشغل بالأمور الصّغيرة”؛ إنّه نصّ مترجم عن الإنكليزيّة:”As yourmanner of life, so must your prayer be. For it is impossible for someone bound up in earthly matters to seek what is heavenly, and the man who is occupied with worldly affairs cannot ask for what is divine. Each man’s desire is revealed by his works, and in whatever matters he shows his zeal, it is for those that he strives in prayer. The man who desires the greatest things does not concern himself with the lesser.” (St Isaac the Syrian, Ascetical Homilies, Homily 3, n. 24)
أيّها الرّبّ يسوع أنت الّذي أعطيتنا في شخصك المثال في الصّلاة، وعلّمتنا كيف نصلّي، نسألك أن تجعلنا نعي ضرورة الصّلاة في حياتنا، لأنّنا بها نبني شركة المحبّة معك ومع الآخرين، ونطوّع إرادتنا لك، ونستقبل نعمك علينا وعلى جماعة المؤمنين، وبها نرفع إليك المجد مع أمّنا العذراء والقدّيسين، الآن وإلى الأبد. آمين.”
في مار توما- صور… تضرّعات من أجل السّلام
تيلي لوميار/ نورسات ترأّس متروبوليت صور وتوابعها للرّوم الملكيّين الكاثوليك جورج اسكندر مس…
