حيث تكون مريم هناك يكون اللقاء

حيث تكون مريم هناك يكون اللقاء

دور مريم في هذه المهمّة الإلهية

في مجتمعات انغمست بكلّيتها في حضارة الضوضاء، محدرة معها العلاقات التي تجمع البشر مع بعضهم البعض إلى أدنى متسويات التواصل، بالرغم من الجهود المبذولة، إلّا أنّ أكثر المتضرّرين هو الإنسان، بالرغم من أنّ هذا الأخير حباه الله بملكة العقل والمنطق، ولكنه قبل كل شيء أعطي له أن يكون علائقيّ التواصل والإنفتاح نحو الله واللآخرين، ومدعو الى التواصل الحيّ لا الوهمي.

ولكي نحاول أن نعيد تموضع أنفسنا بالطريقة المسيحية الصحيحة، علينا أن ننظر إلى مريم التي تضع علاقاتنا أمام المعنى الأصيل للعلاقة، النضج في القداسة .

ما الذي بإمكانه أن تُحدثه مريم على صعيد ثقافة الحوار والتلاقي فيما بيننا؟ ما كان دور الصلاة في حياة هذه الأمّ القديسة؟

مريم رسولة ثقافة الحوار والتلاقي

حيث تكون مريم، هناك يكون الرجاء الصالح (راجع، حز 3، 12؛ لو 2، 14)، وهناك تكون مريم حاضرة بخفاء مع الجماعة المصلية والشاهدة والخادمة[1]. فمريم العذراء هي امتداد طبيعي لثقافة الحوار والتلاقي التي تحققت  بين الله والبشر، علاقة حوارية أثرَت الإنسان بروح الإنفتاح والخدمة والتضامن (راجع، لو 1، 39- 45 و 56) فكانت حضارة الشركة في المحبة. كيف لا، وهي الأم المباركة والقديسة، إذ بفضل طاعتها المطلقة لله (راجع، لو 1، 38) أدخلت الإبن الوحيد فادي الإنسان الى العالم المتخبّط بالصراعات والإنقسامات، «وما عقدته حواء… بعدم إيمانها، حلّته العذراء مريم بإيمانها… بحواء كان الموت، وبمريم كانت الحياة»[2]. «والحياة نور الناس والنور يُشرق في الظلمات ولم تُدرِكهُ الظلمات» (يو 1، 4).  وهذا الإله النور من نور (قانون النيقاوي) أتى إلى عالمنا لكي يقيم في وسطه ويعيد له حياته ونقاوته وطهارته، رادمًا بقوّة حياته الإلهيّة، الهوّة العظيمة التي كانت قائمة بين الله والإنسانية. فبصليبه الحيّ  صار هو جسر عبور وتلاقٍ وحوار بين السماء والأرض، محطّماً بقوّة قيامته حيط العداوة (راجع، أفس 14، 18) ومرمّمًا العلاقات التي تقطّعت أوصالها بسبب خطيئة – تمرّد الإنسان الأول على الله الخالق (راجع، تك 3). فأمام تمرّد المخلوق، كانت محبّة يسوع أقوى من الموت، إذ بلغت طاعته أقصى منتهى التضحية والبذل والعطاء[3]، يقول القديس بولس في طاعة المسيح: «فكما أنّه بمعصية إنسان واحد جُعلت جماعة الناس خاطئة، فكذلك بطاعة واحد تُجعل جماعة الناس بارّة» (روم 5، 19) بيسوع المسيح ابن الله الوحيد، الذي به تمّ فداء البشرية  والعلاقات كلّها (راجع، مت27، 32- 37؛ مر 15، 21- 27؛ لو 23، 26- 34؛ يو 19، 17- 24)، ليصبح موت وقيامة ابن مريم العذراء، الحدث- الأساس في تاريخ الخلاص، والمحور المحيي لمسارات العلاقات برمّتها ومعيارها الجوهري. إنها القضية الإيمانية- الإنسانية/ المفتاح، القادرة أن تمنح كل العلاقات الإنسانية بما في ذلك العلاقات ما بين الأديان، نعمة الفرح والسلام.

مريم المصلّية

يخبرنا كتاب أعمال الرسل عن دور مريم العذراء في تحقيق هذه المهمة الإلهية التي أوكلها الرب إلى الرسل، بأن يذهبوا الى العالم كلّه ولاسيما الى الضواحي المهملة والمتروكة،  بإعلان الخبر المفرح بأنّ الرب المسيح قام، هو القادر وحده أن يمنح الحياة لكلّ الذين يؤمنون باسمه. لقد تحقّقت نبوءة آشعيا القائل «الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيما والسالكون في ظلال الموت أشرق النور عليهم»  ( آش 9، 2).  ومريم أيضًا في أعمال الرسل  تواظب مع رسل المسيح والكنيسة الأولى، في عيش حقيقة التواصل الحقيقيّ، المؤسّس على حياة الصلاة  وذلك «بقلب واحد» (راجع، أع 1، 12 – 14). فبالصلاة اتّحد الرسل مع  مريم، فتوحّدت العلاقات كلّها، وانسجمت اللغات والأطباع، متّحدة بنبض واحد، نبض قلب مريم النابض بنعمة الروح القدس لغة المحبة والشركة.

 فكلّ من أراد أن يدخل إلى محراب هذه العلاقة الروحيّة بين الله والقلب، عليه أن يُدخل مريم  الى قلبه- بيته، لأنه سيختبر على غرار ما اختبرته إليصابات، حقيقة السلام التواصليّ المُحرر، هاتفًا مع تلك التي كانت عاقرًا نشيد التسبحة قائلاً : «مباركة أنت بين النساء! ومباركة ثمرة بطنك! من أين لي أن تأتيني أمّ ربي؟ فما إن وقع صوت سلامكِ في أذنيّ حتى ارتكض الجنين ابتهاجًا في بطني» (لو 1، 42- 44). لا يمكن ألّا تكون علاقتنا، إلّا فعل إصغاء وتأمل وتسبحة بالروح القدس، لأنه حيث تكون مريم حاضرة في القلوب هناك تكون العلاقات أكثر دقّة ومتانة ورسوخًا ونضجًا.

يتبع…

‫شاهد أيضًا‬

ماذا ستحمل رسالة العذراء السّنة يوم عيد الميلاد؟

تنتظر مدينة مديوغوريه والعالم بأجمعه ظهور العذراء مريم في الخامس والعشرين من شهر كانون الأ…