قراءات متفرقة - ‫‫‫‏‫4 أسابيع مضت‬

الكنيسة في خدمة القضايا الإنسانية: خدمة أساسيّة في التعليم والعمل

المطران يوسف توما

عرضت إحدى القنوات الفرنسية يوم 18 تموز الماضي فيلمًا عن مدينة الموصل “سنتان بعد داعش”، للصحفيّة الفرنسية آن بواريه، تم تصويره في شتاء 2019، يخرج المرء بعد مشاهدته بشعور بالعجز أمام هول الكارثة، ويطرح على نفسه أسئلة عديدة منها: لماذا حدث كل هذا؟ ألم يكن بالإمكان تجنب كل هذه المصائب المروّعة على المساكين والأطفال والمسنّين والمرضى؟ وهل من سبيل لإعادة بناء هذه المدينة العريقة ولأم جروح الأجساد والأرواح؟


كارثة الموصل واحدة من كوارث حدثت وتحدث في تاريخ البشرية، إنها قصص طويلة وعريضة، شجون ودموع، تسبّبها الخطيئة الساكنة فينا وتقرّرها غرائز العنف والانتقام والجشع، إنها بمثابة أمراض عميقة ومزمنة بحيث يتجاوز علاجها طاقات الخير لدى البشر، لذا نؤمن نحن أن الله أرسل ابنه المسيح ومن بعده الرسل والتلاميذ منذ البداية، لا ليبحثوا عن أجوبة على تلك الأسئلة فقط -التي يستحيل أحيانًا الجواب عليها– لكن وبكل تواضع كي يعملوا ما يمكنهم في المساعدة الإيجابية والتخفيف عن الآلام التي تسبّبها الكوارث والحروب.

لهذا السبب ومنذ بداية الكنيسة اتجه الرسل إلى أشكال الخدمة وأعطوها بُعدًا لاهوتيًا وطوّروها وأبدعوا فيها بحيث اكتشفوا أنها أقرب إلى “دعوة إلهية” تتطلب تضحية وإصغاءً إلى الروح القدس، أطلقوا عليها اسم المواهب (أو الكارزما باليونانية). ثم جاء القديس بولس مع بداية ظهور المؤسسة الكنسيّة ليعطيها مقوّماتها، فشدّد على تنوّع تلك المواهب لدى كل من يريد أن يعمل في الكنيسة. شمل هذا التنوّع خصوصًا حاجات بدأت تظهر لدى تزايد المنتمين إلى الكنيسة في امتدادها الجغرافي وتغلغلها بين الثقافات والشعوب، ولجميع الأعمار. ومن الملفت للنظر أن هذا الموضوع صار يشغل كل مراحل التاريخ المسيحي عِبر ألفَي عام، فتوزّعت الخدمة وانتشرت حيثما حلت “الجماعة المؤمنة” واندمجت في شعوب متنّوعة وعقليات غالبًا ما لم تقبلها بل رفضتها واضطهدتها وهجّرتها!

يقرن الباحثون في تاريخ المسيحية قيام الكنيسة في كل مكان ببذل جهود هائلة من أجل أشكال الخدمات التي قدّمها أبناؤها لسد الحاجات، فهي في الظاهر تبدو غير دينية، فظهرت هنالك خدمات علاجية لشفاء الأمراض وتقديم الخدمات الطبّية، فقامت رهبانيات نسائية ورجالية بعد الحروب، أو أخرى لجمع التبرعات لامتصاص الفقر والفاقة، وهذا في أصل كل الجمعيات الخيرية، والإنسانية…، كما قامت خدمات التعزية، مثل العناية بذوي الاحتياجات الخاصة، زيارات السجون، أو إقامة دور العجزة…، هناك أيضًا تركيز على موهبة النبوءة، أي ما من شأنه كشف ما يجب إصلاحه في المجتمع والإنسان، أو الاهتمام بموهبة التعليم كخدمة المدارس ومحو الأمية وإعطاء أشكال الدراسات اللاهوتية وفتح مراكز التعليم المسيحي وغيره، وأخيرًا موهبة خدمة الوحدة، أي هؤلاء الذين يجمعون الجماعة ويشجّعونها ويثبتونها في الإيمان: إنها موهبة القيادة، موهبة الرعاة، وهذا كان شأن الأساقفة والكهنة والشمامسة الإنجيليين. من هذا المنظور لا يمكن القول إن الكنيسة بحثت عن السلطة، إذ تذكرت دائمًا قول مؤسسها: “من كان فيكم كبيرًا فليكن خادمًا” (متى 20/26)، الأمور مع المسيح معكوسة ففي السلطوية تسري الأوامر من فوق إلى تحت، وحيث الناس “أعلى وأوطأ”. أما في الجماعة الخادمة فالأمور من تحت إلى فوق.

مواهب (أو كارزما) الخدمة

في كل زمان ومكان يوقظ الرب المواهب في الكنائس والمناطق، وقد شعر يسوع بذلك كضرورة قصوى حين قال “الحصاد كثير والفعلة قليلون، اطلبوا من ربّ الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده” (متى 9/38) العالم هو حقل الرب لو تركناه على حالته “الطبيعية” يهلك ويتلف، لذلك لم يترك الرب كنيسته بلا خدّام.

لكن، إن كانت المواهب ضرورية، إلا أن الكفاءة مع الموهبة (الكارزما) ضرورية أيضًا، فعطية اللـه يقابلها عندنا استعداد عميق من جهة ورغبة في التطوير والتمكن من العمل من جهة أخرى. في العطية اتجاه وتفرّغ لخدمة الجميع، وقد يأتي بعدها التخصّص. وهنا للروح القدس دور أساسي: فهو الذي يعطي النعمة والأمانة والديمومة كي تصبح الموهبة خدمة تتجاوز حدودَنا وضعفنا ولا تجعلنا نغرق أمام عظم الحاجات.

عندما كانت “هيلاري كلينتون”، السيدة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية زارت الهند والتقت بالأم تريزا سألتها: “أمي، يقال إنك ساعدتِ سبعة ملايين شخصًا”، فأجابت الأم تريزا: “بالنسبة لي، الطفل الذي بين يديّ أو العجوز هما الأهم، لا أفكر بشيء آخر!”.

المواهب إذن تعمل فرديًا وجماعيًا أيضًا، تتكامل من خلال الإمكانيات والقابليات والمهارات والحنكة الإدارية والدراية التنظيمية واللباقة والبلاغة والفصاحة… وهنا تختلط التعابير: لتصير “المواهب” خدمات والخدمات بالعكس تصير مواهب. لكن لو نظرنا من علو لرأينا الأمور أوسع وأشمل من الخدمة، تجتمع مثل باقة زهور جميلة تحتاج إلى شيء من التنظير واللاهوت. أي بالابتعاد عن الصورة يمكن رؤيتها اوضح. فالخطر هو أن نغرق في التفاصيل، ومن لا يبتغي الشمولية يضيع ويشعر بتفاهة ما يعمل بسبب وقوعه في الروتين أو يصبح كالموظف يرضي صاحب العمل، لكنه لا يتخذ المبادرات ولا يهمّه تحسين العمل ولا نظرة لديه عن المستقبل.

ولكيلا نقع في التعميم والخلط، يجب أن نوضح أن كل خدمة تقدَم في الكنيسة ليست رتبة “كنسيّة”. فهناك الخدمات متباينة وظيفية وعائلية، يمكنها أن تدخل ضمن البعد الشامل للكنيسة: كشهادة الحياة في العمل والتضحية وبذل الذات… الخ. وزيادة في الوضوح نقول، إن الرتب الكنسية تعني بخاصّة بعض الخدمات الخاصة مقسّمة كما يأتي:

أ) الرتبة الكنسية خدمة معيّنة هدفها محدد: كالتعليم المسيحي في المدارس.

ب) الرتبة الكنسية ذات أهمية حياتية، أي ضرورية لاستمرار الكنيسة: كالليتورجيا وخدمة الفقراء والكرازة بالإنجيل.

ج) الرتبة الكنسيّة خدمة تتحلى بالمسؤولية، تتعلق مباشرة بمسؤول كنسي (كالكاهن أو الأسقف) ولكنها تترك لصاحبها حرية حقيقية واستعدادًا ليتكلم أمام اللـه وأمام الكنيسة.

د) الرتبة الكنسية خدمة تحتاج إلى فترة زمنية ما، قد لا تمتد إلى كل الحياة لكنها تتطلب بعض الديمومة والاستقرار.

هذه الرتب (أو الخدمات) يمكن القيام بها فرديًا أو جماعيًا، تتولد من بادرة تصدر عن الأفراد أو الجماعة. أو قد تكون مطلوبة هنا أو هناك أو على أثر دعوة من الكاهن أو الأسقف. أو تكون مقترحات تحتاج إلى دراسة ميدانية وترجمة واقعية.

خاتمة

عندما قمت بزيارة الساحل الأيمن للموصل، وداعش لا يزال يحارب فيه، في نيسان 2017 واطلعتُ على الخراب الذي حدث، لم أصدّق ما رأيتُ تذكرت فقط مدينتَي هيروشيما وناغازاكي اليابانيّتين، بعد القاء قنبلتين نوويّتين عليهما في عام 1945، وقلتُ لنفسي، هذه مدينتي العزيزة التي ولدتُ فيها، هل ستنهض من جديد؟ وتذكرتُ أيضا حالة تينِك المدينتين اليوم، فالتمعَ فيّ الأمل أن الموصل سوف تنهض أيضًا وتداوي جراحها لو تسنى لها بين أبنائها من يضطلع بالخدمة والكفاءة، وأن ندعو المنظمات الإنسانية كُلا بحسب اختصاصه، لا لمعالجة الأبنية والجسور والبنى التحتية فحسب، وإنما لتقوم بمعالجة أشكال الأذى التي أحدثتها أزمة النزوح والهجرة وهدر كرامة الانسان وحقوقه المسلوبة، مع الاهتمام بالنفس مع الجسد. عندئذ سوف تصبح الموصل منارة في سماء العراق وعنوان نهضته من جديد وشفائه من مصائبه. وكانت صلاتي تتكرر في ذهني كلمات أرسلتها مرتا ومريم أختا لعازر تقولان ليسوع عن أخيهما المدنف: “يا رب، إن الذي تحبّه مريض”، قلت معهما: يا رب، الموصل التي تحب وتبارك، مريضة، بل العراق كله مريض، تعال وضع يدك عليه سيشفى بل سيقوم حتى لو بدا أنه ميت.

* بخصوص الخدمات في الكنيسة إقرأ في العهد الجديد: روم12/6-8، 1قور12/8-10، و28-30، وأفسس4/11-12)…

‫شاهد أيضًا‬

كاد طوني يموت فتدخّلت القديسة ريتا

لم يكن أمام طوني ما يخسره فقرّر تلاوة تساعية القدّيسة ريتا وحصلت المعجزة لن ينسى طوني رومو…