فبراير 3, 2026

تسليم الأمانة في كاريتاس لبنان من الأب ميشال عبود إلى الأب سمير غاوي

في لحظة روحانية مفعمة بالإيمان والرجاء، شهد مقر رابطة كاريتاس لبنان في سن الفيل حفل تسليم الأمانة بين رئيس الرابطة الأب ميشال عبود والرئيس المنتخب الأب سمير غاوي. جاء هذا اللقاء في توقيت رمزي عميق، تزامنًا مع عيد دخول المسيح إلى الهيكل وعيد الحياة المكرّسة، ليكون شهادة حية على استمرارية رسالة المحبة والخدمة.

تقدّم الحضور سيادة المطران بولس عبد الساتر، راعي أبرشية بيروت المارونية والمشرف العام على أعمال الرابطة، ممثلاً صاحب الغبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي. كما حضر سيادة المطران ميشال عون راعي أبرشية جبيل المارونية والمشرف العام السابق على أعمال الرابطة، وسيادة المطران بولس مطر الرئيس السابق لكاريتاس، وسيادة المطران إيليا الحداد راعي أبرشية صيدا ودير القمر للروم الملكيين الكاثوليك، وسيادة المطران كريكور ياديشاه الأسقف المعاون على أبرشية بيروت للأرمن الكاثوليك.

وشارك في الاحتفال قدس الأباتي هادي محفوظ الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية، والأب جان يونس أمين عام مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، والأب لويس سماحة الرئيس السابق للرابطة، إضافة إلى أعضاء مجلس الإدارة السابقين والحاليين، ومرشدي ورؤساء أقاليم كاريتاس، ومنتسبين قدامى، ومدراء ومسؤولين وموظفين ومتطوعين وشبيبة، فضلاً عن ممثلي وسائل الإعلام.

استُهل الحفل بصلاة رفعها سيادة المطران بولس عبد الساتر، مباركًا فيها مسيرة كاريتاس والمرحلة الجديدة التي تنتظر الرابطة. ثم ألقت الإعلامية ماغي مخلوف، مسؤولة جهاز الإعلام في كاريتاس، كلمة ترحيبية قالت فيها:

“المناسبة التي تجمعنا اليوم عنوانها الأمانة، والمكان الذي نلتقي فيه هو مقرّ لعيش هذه الأمانة بملئها. هذا ما عاشته كاريتاس منذ التأسيس حتى يومنا هذا مع المريض والجائع والعطشان والمشرّد، وما زالت مستمرة برسالتها رغم كل الظروف: صامدةً، قويةً، ملتحفةً بالإيمان، مصغيةً إلى وصية المعلّم: ‘كلّ ما فعلتموه لهؤلاء الصغار فلي قد فعلتموه’.

اليوم نشهد على نقل هذه الأمانة من راهب كرملي اختاره الرب خادمًا لصغاره إلى راهب لبناني ماروني حاضر ليكمل الطريق… ها أنذا أرسلني. كما نشهد على تسليم الأمانة من مجلس إدارة عمل بكل إخلاص إلى المجلس المنتخب ليكمل رسالة من سبقه.”

في كلمته الوداعية المؤثرة، شدّد الأب ميشال عبود على أن ما يجري ليس مجرّد انتقال إداري، بل تسليم أمانة ورسالة، مؤكدًا أن كاريتاس لا تقوم على أشخاص بل على عمل جماعي وشركة في الخدمة.

وأشار إلى أن الفترة الممتدة بين 2020 و2026 كانت من أصعب المراحل في تاريخ لبنان الحديث، مع الانهيار المالي، وجائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت، وتفكّك مؤسسات الدولة، وحرب 2024. ورغم ذلك، بقيت كاريتاس حاضرة في الميدان، لم تُقفل أبوابها يومًا، ولم تتوقف أيٌّ من خدماتها الإنسانية.

وأوضح أن كاريتاس لبنان قدّمت خلال هذه المرحلة ما يفوق 140 مليون دولار من المساعدات الموثّقة، ووفّرت أكثر من 15 مليون خدمة مباشرة وغير مباشرة في الصحة والغذاء والتعليم والحماية والتنمية، عبر أكثر من 85 مركزًا منتشرًا على مختلف الأراضي اللبنانية.

وحذّر من أن المرحلة المقبلة ستكون صعبة، في ظل تراجع التمويل الإنساني عالميًا بنسبة تصل إلى 40%، داعيًا إلى الاستعداد بالحكمة والتخطيط، لا بالخوف، مع التمسّك بالرجاء.

كما توجّه بالشكر الخاص إلى الأساقفة المشرفين على الرابطة، ومجلس الإدارة الحالي والجديد، ورؤساء الأقاليم، والمكاتب والأقسام المركزية، والموظفين الذين عملوا بأمانة ونزاهة، والمتطوعين وشبيبة كاريتاس الذين شكّلوا “الرجاء الذي يمشي على الأرض”.

ولم ينسَ التوجّه بالشكر للشركاء الدوليين والوطنيين، مشيرًا إلى أن كاريتاس لبنان نالت شهادة الامتثال لمعايير الإدارة والحوكمة الدولية (CIMS)، لتكون الوحيدة في الشرق الأوسط ضمن مجموعة محدودة من كاريتاسات العالم.

وفي ختام كلمته، توجّه إلى الرئيس الجديد الأب سمير غاوي مؤكدًا أن ما يُسلَّم اليوم ليس أبنية وملفات فقط، بل الإنسان أولًا: الفقير والمريض والمسنّ وذوي الاحتياجات الخاصة، مجددًا الالتزام بأن تبقى كاريتاس وجه الكنيسة الرحوم.

وختم قائلًا بإيمان راسخ: “واثقون أن الذي بدأ هذا العمل الصالح سيُكمّله”، داعيًا إلى أن تبقى كاريتاس لبنان أمانة حيّة في قلب هذا الوطن.

بمشاعر فياضة بالامتنان والمسؤولية، وقف الأب سمير غاوي أمام الحضور قائلًا:

“أقف أمامكم بمشاعر امتنان عميق، ومسؤولية كبيرة، وتأثّر صادق. امتنانٌ للثقة التي وضعها رئيس وأعضاء مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في شخصي، ومسؤوليةٌ أمام رسالة إنسانية واجتماعية وروحية تتجاوز الأشخاص والمناصب، وتأثّرٌ لأن كاريتاس ليست مجرّد مؤسسة، بل رسالة حيّة نابضة بالمحبة.”

وأضاف: “إن هذا اليوم ليس مجرّد محطة إدارية في مسيرة رابطة كاريتاس لبنان، بل هو لحظة استمرارية ومسؤولية، لحظة عهدٍ جديد، نستلم فيها الأمانة، لا لنغيّر الاتجاه، بل لنُجدّد الالتزام، ونؤكّد أن الرسالة أكبر من الأسماء، وأن الخدمة هي البوصلة الدائمة.

لقد كانت كاريتاس لبنان، وستبقى، الذراع الاجتماعي للكنيسة. هي صوت الكنيسة عندما تعجز الكلمات، ويدها الممدودة عندما يضعف الكثيرون، وقلبها المفتوح لكل إنسان متألّم، مهمَّش، مكسور أو منسي.”

وتطرّق إلى التحديات الراهنة قائلًا: “نعيش اليوم مرحلة دقيقة وصعبة في تاريخ وطننا. أزمات متراكمة، ضيقٌ معيشيّ يتفاقم، وجعٌ يومي يطرق أبواب الناس، وقلق على الغد، وتعب في النفوس قبل الأجساد. وفي خضمّ هذه التحديات، لا يمكننا أن نتجاهل واقعًا إضافيًا يفرض نفسه علينا، وهو الشحّ المتوقّع في التمويل خلال المرحلة المقبلة. لكن هذا الواقع، على صعوبته، لا يدفعنا إلى التراجع أو الانكفاء، بل يدعونا إلى المزيد من الحكمة وحُسن الإدارة وتعزيز روح التضامن.”

وأعلن بوضوح: “أنا، كرئيس منتخب لرابطة كاريتاس لبنان، ومعي المكتب والمجلس، نؤمن أن نجاحنا لا يتحقّق إلا بروح العائلة الواحدة. سنعمل جاهدين لكي يشعر كل فرد في كاريتاس بأنه شريك لا تابع، وابن هذه المؤسسة لا مجرّد عامل فيها. سنمدّ يدنا إلى الجميع دون استثناء: إلى الدولة ومؤسساتها، إلى الكنيسة بأبرشياتها ورعاياها، إلى شركائنا في كاريتاسات العالم، إلى الجمعيات والمؤسسات الوطنية والدولية الشقيقة، إلى المتطوّعين، وإلى كل صاحب ضمير حيّ يؤمن بأن خدمة الإنسان هي أسمى رسالة.”

وتوجّه الأب غاوي إلى العاملين في كاريتاس قائلًا: “نحن لا نعمل كمجموعة أفراد، بل كعائلة واحدة، عائلة مترابطة متماسكة، تختلف فيها الأدوار لكنها تتوحّد في الرسالة. من الرئيس إلى أصغر متطوّع، من الإدارة إلى العامل الميداني، من المركز إلى أبعد نقطة خدمة، نحن جسد واحد وقلب واحد. والانتماء إلى كاريتاس ليس وظيفة ولا موقعًا إداريًا، بل التزام أخلاقي وإنساني وكنسي ورسولي، وشهادة حيّة على أن المحبة يمكن أن تُعاش بالفعل.”

ثم توقّف عند كلمة شكر صادقة للأب ميشال عبود قائلًا: “لقد قاد الأب ميشال عبود، ومعه مجلس الإدارة السابق، كاريتاس لبنان في ظروف استثنائية، تميّزت بأزمات متلاحقة وتحديات إنسانية غير مسبوقة، فكانوا على قدر المسؤولية، ثابتين في الالتزام، أمناء للرسالة، واضعين الإنسان المحتاج في صلب كل قرار. لم يوفّروا جهدًا، ولم يتراجعوا أمام الصعوبات، بل عملوا بإصرار وإيمان، ليبقى باب كاريتاس مفتوحًا، ويدها ممدودة، وحضورها ثابتًا إلى جانب كل محتاج.”

كما شكر العاملين والمتطوّعين في الإدارة المركزية والأقاليم، وشبيبة كاريتاس، واصفًا إياهم بـ”الجنود المجهولين الذين حملوا الوجع اليومي بصمت، ونزلوا إلى القرى والبيوت والشوارع، وواجهوا التعب والإحباط وأحيانًا الخطر، لكنهم لم يتخلّوا يومًا عن إنسان محتاج.”

وتوجّه بالشكر إلى مجلس البطاركة والأساقفة على الثقة الغالية، مؤكدًا أن العمل سيكون قائمًا على التعاون والتنسيق الدائم مع جميع أصحاب السيادة الأساقفة في لبنان وبلدان الانتشار. كما شكر الرهبانية اللبنانية المارونية بشخص قدس الأب العام هادي محفوظ على دعمه ومساندته.

ورفع تحية وفاء إلى جميع رؤساء رابطة كاريتاس لبنان الذين تعاقبوا على هذه الخدمة منذ التأسيس، قائلًا: “ما نتابعه اليوم ليس عملًا مبتورًا عن الماضي، بل هو ثمرة تعب وتضحيات وقرارات شجاعة ورؤية كنسية وإنسانية راكمها من سبقونا. ما زرعتموه بمحبة، نتابعه اليوم برجاء.”

كما ذكر بخشوع العاملين والمتطوّعين الذين انتقلوا من هذه الحياة: “نذكرهم كأشخاص لا كأرقام، كوجوه لا تُنسى، كأيادٍ امتدّت، وقلوبٍ أحبّت، وخدمةٍ عاشت في صمت. هم اليوم جزء من تاريخ كاريتاس الحيّ، ومن ذاكرتها الروحية.”

وختم الأب غاوي كلمته بوعد صادق: “نحن لا نعد بالكمال، ولا ندّعي العصمة، لكننا نعد بالعمل، بالشفافية، وبالأمانة للرسالة. نعد بأن تبقى كاريتاس لبنان أمينة لإنسانها، وأمينة لكنيستها، وأمينة لقيمها ولقيم كاريتاس الدولية. سنحافظ عليها بيتًا مفتوحًا، وعائلة لا تُقصي أحدًا ولا تتخلّى عن أحد، لأن قوّتنا الحقيقية كانت وستبقى في وحدتنا وانتمائنا وتضامننا.”

وأضاف بصوت مفعم بالإيمان: “في زمن الانقسام، نختار الوحدة، وفي زمن اليأس، نزرع الرجاء، وفي زمن الألم، نؤمن أن المحبة أقوى. نستلم اليوم الأمانة بقلب خاشع وعزم صادق، متّحدين بالصلاة. عاشت كاريتاس لبنان، عاش الإنسان، وعاش الرجاء، وعاش لبنان.”

بعد الكلمتين المؤثرتين، عُرض فيلم مصوّر من إعداد قسم التواصل والإعلام، سلّط الضوء على الخدمات المتنوعة التي توفّرها كاريتاس للأكثر حاجة على كافة الصُعد: الصحية والاجتماعية والنفسية وغيرها.

ثم التقى الجميع في جوّ من الأخوّة والمحبة لتبادل التهاني ورفع نخب المناسبة، مؤكدين أن رسالة كاريتاس مستمرة، وأن الأمانة في أيدٍ أمينة، وأن المحبة ستبقى النور الذي يضيء دروب الخدمة في لبنان.
عاشت كاريتاس، عاش لبنان، عاش الرجاء!

‫شاهد أيضًا‬

برثلماوس الأوّل: إنّ “المسيح قام” هي دعوة إلى حياة السّلام

بمناسبة عيد الفصح، وجّه رئيس أساقفة القسطنطينيّة- روما الجديدة البطريرك المسكونيّ برثلماوس…