يوليو 9, 2020

في ذكرى القدّيسة فيرونيكا جولياني

موقع نورسات Network - ريتا كرم

القدّيسة فيرونيكا جولياني (1660- 1727) عملاق استيقظ قبل ثلاثة أعوام في لبنان بعد 356 سنة على ولادتها في إيطاليا، فأبرز إلى الواجهة قدّيسة غير ذائعة الصّيت بالرّغم من أنّها ازدانت بمواهب فائقة الطّبيعة، فجمعتِ في ذاتها النّعم العظمى الموزّعة على أكثر القدّيسين شهرة، وباتت قاهرة الجحيم ومُحرّرة المطهر وموزّعة ثروات السّماء. أراد الله أن يسطع نجمها في هذه الأزمنة الصّعبة لتثبيت الإيمان ولانتصار المحبّة.

إنّها راهبة من راهبات القدّيسة كلارا المحصنّات (1660- 1727)، خصّها الرّبّ على خلاف قدّيسين كبار بنعمة استثنائيّة فنالت سماته كاملة بعمر السّابعة والثّلاثين في يوم الجمعة العظيمة. هذه الجروحات بقيت ظاهرة على جسدها غير المتحلّل المعروض في ضريح زجاجيّ بديرها الأمّ.

“أورسولا” هكذا كان اسمها قبل التّرهّب، كانت تلك الفتاة الصّغيرة الحيويّة الّتي تملأ المنزل فرحًا وضحكًا، تائقة بكلّيّتها إلى الله فتبني له المذابح وهي تلعب.

علامات فائقة الطّبيعة ظهرت في طفولتها، لعلّ أبرزها كان رفضها للحليب الأموميّ يومي الأربعاء والجمعة المكرّسين في الكنيسة للصّوم والتّوبة، وظهور الطّفل يسوع لها وهي تلعب في الحديقة ويقول لها: “أنا هو زهرة الحقول”؛ وكم من مرّة حملت الطّعام للطّفل يسوع في لوحة تحمله مريم، تقول له:  “تعالَ، خُذْ إن لم تأكل، فلن آكل أنا أيضًا”، وكم من مرّة طلبت من مريم أن تعطيها ابنها بحجّة أنّها لا تستطيع أن تحيا من دونه، فأضحى مرّات عديدة “حيًّا” بين يديها. 

كبرت أورسولا وفي قلبها توق إلى القربان المقدّس، فكانت تتنشّق منذ طفولتها عطرًا فردوسيًّا في كلّ مرّة مرّت بجانب مَن تناول جسد الرّبّ، وفي أوّل مرّة ذاقت القربانة شعرت بقلبها يشتعل.

في مسيرة نموّها الجسديّ، نمت في داخلها نزعة نحو الألم والإماتات والصّلاة ساعدتها في مواجهة إغراءات العالم لتتقرّب من الله وتقتدي بثلاثة من شقيقاتها وتدخل الدّير. فاختارت الدّير الأشدّ فقرًا والأكثر تقشّفًا واتّخذت عروس المسيح اسم “فيرونيكا ليسوع ومريم” سائلة الرّبّ ثلاث نِعَم: أن تحيا بحسب متطلّبات حالتها الرّهبانيّة، ألّا تبتعد أبدًا عن إرادته القدّوسة؛ وأن يُبقيها مصلوبة دومًا معه. فوعدها أن يمنحها كلّ ذلك قائلاً: “لقد اخترتُك لشؤون عظيمة، لكن يتوجّب عليك التألّم كثيرًا لأجل اسمي”. وعند دخولها نور الله اكتشفت نور خلاص النّفوس وفرح الله.

في السّنوات الاثنتي عشرة الأخيرة من حياتها، كانت فيرونيكا تدخل في حالة انخطاف يوميّ بعد المناولة فتصعد إلى السّماء، كما سجّلت حياتها زيارة لجهنّم سبع مرّات. فكتبت بأمر الطّاعة كلّ ليلة “يوميّات” وصفت فيها بالتّفاصيل كلّ ما اختبرته وسمعته ورأته في السّماء وفي جهنّم. يوميّات تعتبر تعليم وشهادة ورسالة مستمرّة لا تستطيع الكنيسة تجاهلها.

هذه الكتابات درسها أحد الكرادلة منذ 40 سنة، جعله يقدّمها كخامس امرأة معلّمة في الكنيسة والّتي لها صقلها في هذه الأزمنة.

انتقلت فيرونيكا جولياني إلى أحصان الآب في 9 تمّوز/ يوليو 1727، وأعلنها البابا بيوس السّابع طوباويّة في 17 حزيران/ يونيو 1804، والبابا غريغوريوس السّادس عشر قدّيسة في 26 أيّار/ مايو 1839.

غابت منذ 289 عامًا بالجسد، لكنّها أطلّت على اللّبنانيّن في 9 تمّوز/ يوليو 2016، وانطلقت منه عبر أوّل كنيسة لها في العالم خارج إيطاليا، لتحيي النّفوس المائتة بسبب الخطيئة ولتثبّت الإيمان وتنصر المحبّة تتميمًا لوصيّة الله لها.