‫‫‫‏‫14 ساعة مضت‬

أرتور كلوز: الكرامة الإنسانية هي المقياس الذي يجب أن نحكم به على أي تكنولوجيا

في مقابلة مع موقع فاتيكان نيوز، صرح خبير الذكاء الاصطناعي أرتور كلوز، مبتكر مفهوم “تكنولوجيا الفضيلة” والمتحدث في القمة العالمية للذكاء الاصطناعي من أجل الخير العام في جنيف، بأن الرسالة العامة للبابا لاوُن الرابع عشر قد نقلت النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي من التكنولوجيا نفسها إلى الشخص البشري. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يجب أن “يوسع نطاق التقييم البشري بدلاً من أن يحل محله”، وأن يخدم السلام والأغراض الإنسانية، مشدداً على ضرورة أن ترافق التنشئةُ الأخلاقية التنشئةَ التقنية.

“لقد نقل البابا لاوُن الرابع عشر النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي من التكنولوجيا نفسها إلى الشخص البشري”.  في مقابلة مع موقع فاتيكان نيوز، طرح خبير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أرتور كلوز هذه الملاحظة مستحضراً الرسالة العامة الأولى للبابا لاوُن الرابع عشر “Magnifica humanitas”حول حماية الشخص البشري في عصر الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى رسالة البابا الأخيرة إلى القمة العالمية للذكاء الاصطناعي من أجل الخير العام في جنيف. ويُعد هذا المستثمر ورائد الأعمال التكنولوجي مؤسساً ورئيساً تنفيذياً لشركة “Kluz Ventures”، وهي شركة استثمار عالمية تركز على الذكاء الاصطناعي، واستكشاف الفضاء، وغيرها من التقنيات الرائدة. وقد طور كلوز مفهوم “تكنولوجيا الفضيلة”، وهي فكرة ترى أن المؤسسين والتقنيين والمستثمرين بحاجة إلى تنشئة أخلاقية جنباً إلى جنب مع الخبرة التقنية. وكان كلوز من بين المتحدثين في القمة الرفيعة المستوى بجنيف، وهي المنصة الرائدة للأمم المتحدة المعنية بالذكاء الاصطناعي، والتي بحثت كيف يشكِّل الذكاء الاصطناعي العالم وكيف يمكنه المساهمة في معالجة التحديات العالمية. وقد تأمل في الرسالة العامة للبابا جنباً إلى جنب مع خبراء آخرين في القطاع ومسؤولين يمثلون الكرسي الرسولي. كما أسس “جائزة كلوز لتكنولوجيا السلام”، وهي إحدى المبادرات الرائدة عالمياً والمكرسة لتطوير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى التي تخدم الإنسانية، وتبني السلام، وتحمي الكرامة الإنسانية، والتي استقطبت على مدار السنوات الأربع الماضية طلبات مشاركة من مبتكري وصناع التكنولوجيا في ٨٢ دولة.

في جوابه على السؤال حول ما الذي يراه المساهمة الأكبر لرسالة “Magnifica humanitas” في حماية الشخص البشري في عصر الذكاء الاصطناعي قال أرتور كلوز أعتقد أن المساهمة الأكبر لرسالة “الإنسانية الرائعة” تكمن في أن البابا لاوُن الرابع عشر قد نقل النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي من التكنولوجيا ذاتها إلى الشخص البشري. ومن منظور شخص يستثمر ويبني شركات في مجال التقنيات الرائدة، أعتقد أن البابا لاوُن الرابع عشر يقدم شيئاً غالباً ما يغيب عن النقاشات حول الذكاء الاصطناعي: بوصلةً لا قيوداً. إنَّ البابا لاوُن لا يعارض ريادة الأعمال، أو الابتكار، أو العائد المسؤول على رأس المال؛ بل هو يتحدانا لطرح أسئلة أخلاقية أعمق قبل اتخاذ قرار بشأن ما نبنيه، وكيف نبنيه، ولماذا نبنيه. يجب أن يطمح رواد الأعمال ليس فقط إلى ابتكار آلات أكثر ذكاءً، بل وأيضاً إلى تطوير تكنولوجيات ومؤسسات تساعد البشرية على أن تصبح أكثر حكمة، وأكثر سلاماً، وأكثر قدرة على الازدهار معاً.

كثيراً ما تركز النقاشات حول الذكاء الاصطناعي على القدرات التكنولوجية والاستثمار والمنافسة، بينما تذكرنا رسالة “Magnifica humanitas” بأن السؤال الأهم هو: أي نوع من البشرية تخدم هذه التقنيات في نهاية المطاف؟ وبصفتي مستثمراً وصانعاً للتكنولوجيا، أرى أن البابا لاوُن الرابع عشر يسلط الضوء على ثلاثة مبادئ عملية: التكنولوجيا ليست محايدة أخلاقياً أبداً؛ والتكنولوجيا يجب أن تخدم الشخص البشري دائماً؛ والحكمة والفضيلة يجب أن تنموا جنباً إلى جنب مع الابتكار. إن تحدينا الأكبر ليس مجرد بناء آلات أكثر ذكاءً، بل أن نصبح حكماء بما يكفي لاستخدامها بشكل جيد. ودعوة البابا للتمييز الأخلاقي والروحي هي، في نظري، إحدى أكثر التوصيات عملية في الرسالة العامة. فالتكنولوجيا يمكنها أن تساعدنا على البناء بشكل أسرع، لكن لا يمكنها أن تخبرنا بما ينبغي لنا بناؤه. التمييز يتساءل: هل ينبغي لنا بناء هذا الشيء؟ من سيخدم؟ وهل سيعزز الكرامة الإنسانية والسلام والخير العام؟

لقد حضرت مؤخراً لقاءات مصغرة في “وادي السيليكون” وفي واشنطن العاصمة مع مهندسي ذكاء اصطناعي شباب ومبرمجين وباحثين من شركات رائدة في هذا المجال، حيث توقعت أن يدور النقاش حول النماذج الأكبر، ووكلاء الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي العام، والاتجاهات الناشئة. ولكن بدلاً من ذلك، تركزت العديد من الأسئلة حول كيفية تطبيق مبادئ الرسالة العامة في العمل اليومي، والبرمجة، والحياة الشخصية: كيف نبني شخصيتنا لنتمكن من بناء ذكاء اصطناعي أفضل؟ ما هو فهمنا لله؟ وكيف نضمن أن يرافق التقدم التكنولوجي نمو بشري؟ لقد أكد لي ذلك أمراً هاماً: التكنولوجيا هي مرآة لمبتكريها. فالتقنيات التي نبنيها تعكس في النهاية من نكون، وما نقدره، والشخصية التي ننميها.

وبالتالي فالمساهمة الأكبر لرسالة “Magnifica humanitas” ليست مجرد مجموعة جديدة من القواعد، بل تذكير بنقطة البداية الصحيحة. فالكرامة الإنسانية، وليس مجرد الكفاءة أو القدرة وحدها، يجب أن تكون المقياس الذي نحكم به على أي تكنولوجيا، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي. وهذه ليست فكرة جديدة على الكنيسة؛ بل هي استمرار لتقليد يشمل الرسائل العامة “الشؤون الحديثة”، و”السنة المائة”، و”كُن مُسبَّحًا”. والجديد هنا هو تطبيقها على تكنولوجيا تلامس أسئلة الحقيقة والعلاقات والسلطة في آن واحد. بالنسبة لي شخصياً، لم تقدم الرسالة العامة اتجاهاً جديداً بالكامل بقدر ما أكدت شيئاً آمنت به لسنوات: الأسئلة التي يثيرها الذكاء الاصطناعي جديدة، لكن الإطار الأخلاقي المطلوب لمعالجتها – الكرامة، والصالح العام، والتضامن، والتعاضد، والعدالة – موجود منذ زمن طويل. وتبرز لي ثلاثة نقاط عملية في هذه الرسالة العامة.

أولاً، تقر الرسالة العامة بأن التكنولوجيا ليست محايدة أخلاقياً أبداً؛ فالذكاء الاصطناعي يعكس القيم والثقافة والحالة الأخلاقية للذين يبنونه. وإذا أردنا ذكاءً اصطناعياً يركز على الإنسان، فنحن بحاجة إلى أشخاص يوجههم الخير لتطويره. ثانياً، تعيد الرسالة صياغة مسألة “السلطة” كقضية محورية، وليس الابتكار فحسب؛ فتطوير التكنولوجيا اليوم غالباً ما تقوده أطراف خاصة وعابرة للحدود الوطنية تفوق مواردها موارد الحكومات، وهذا الأمر يطرح أسئلة جدية حول المساءلة والمحاسبة. وثالثاً، تتعامل الرسالة مع “الحقيقة” كمنفعة عامة؛ ففي عصر تنظيم المحتوى القائم على الخوارزميات والمحتوى التوليدي، تعد حماية الأساس المشترك للحقيقة في حد ذاتها وسيلة لحماية الكرامة الإنسانية. والمجتمع الذي لا يستطيع الاتفاق على ما هو حقيقي سيجد صعوبة في العمل معاً من أجل الخير العام وبناء السلام.

تابع أرتور كلوز مجيبًا على السؤال حول ما هو الأمر الأساسي لضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي على نحو يحمي البشر وكرامتهم وعملهم، وكيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي لخدمة البشرية وقاليجب أن يبقى الأشخاص الذين يبنون الذكاء الاصطناعي، والأنظمة التي تحكمه، والثقافة التي تستقبله، على اتصال وثيق. لا أعتقد أنه يمكننا بناء أنظمة ذكاء اصطناعي تركز حقاً على الإنسان إذا لم يكن الأشخاص الذين يصممونها يسعون أيضاً إلى تنمية الفضائل التي تتطلبها هذه الأنظمة. وكما ذكرت، التكنولوجيا هي مرآة لمبتكريها؛ ولهذا السبب طورت مفهوم “تكنولوجيا الفضيلة”: الفكرة القائلة بأن المؤسسين والتقنيين والمستثمرين يحتاجون إلى تنشئة أخلاقية إلى جانب الخبرة التقنية. وما نحتاجه اليوم أكثر ليس مجرد معرفة تقنية أكبر، بل حكمة أعظم وذكاء روحي أعمق.

أضاف أرتور كلوز مجيبًا على السؤال حول إن كان هناك حاجة إلى ضوابط لضمان عدم تحول الذكاء الاصطناعي إلى قوة مفرطة أو ضارة وقال عندما يتعلق الأمر بالحوكمة وضوابط الحماية، فإن هناك مجالات عدة غير قابلة للتفاوض. أولاً، يجب أن تبقى الإرادة والإشراف البشري في الصدارة؛ فحيثما يؤثر الذكاء الاصطناعي على القرارات التي تشمل الحياة والموت، أو الإجراءات القانونية، أو التوظيف، أو نمو الأطفال، يجب أن يبقى العنصر البشري مشاركاً بشكل حقيقي وفعال—وليس مجرد حضور اسمي. بعد ذلك، نحن بحاجة إلى معلومات صادقة وجديرة بالثقة؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي تكون موثوقة فقط بقدر موثوقية البيانات والمحفزات التي تقف وراءها. وتزداد الحاجة الملحّة لوضع ضوابط حماية ضد التلاعب، والتزييف العميق، وتقويض الواقع المشترك القائم على الحقائق. وأخيراً، يجب علينا معالجة مسألة احتكار السلطة؛ فعندما تستطيع مجموعة صغيرة من الأطراف الخاصة أن تصيغ النتائج على نطاق هائل، يحتاج المجتمع إلى هياكل مساءلة حقيقية بدلاً من الاعتماد فقط على التنظيم الذاتي.

تابع أرتور كلوز مجيبًا على السؤال حول كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي أخلاقياً لخدمة البشرية وقال يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم البشرية عندما يُوجَّه نحو تخفيف المعاناة الحقيقية، وتوسيع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية، وتسريع الاكتشافات العلمية، والمساعدة في الكشف عن الألغام الأرضية، ودعم بناء السلام، بدلاً من مجرد زيادة التفاعل الاستهلاكي، أو الاستغلال، أو السيطرة. ويجب أن يكون هذا اختياراً واعياً ومخططاً له مسبقاً من قِبل الأشخاص الذين يمولون هذه الأنظمة ويصممونها ويبنونها.

لقد أثر إرشاد البابا لاوُن على الأسئلة التي أطرحها عند تقييم الشركات؛ فإلى جانب التكنولوجيا والأسواق والتنفيذ، أتساءل: هل ستخدم هذه التكنولوجيا الشخص البشري؟ هل ستنقذ الأرواح؟ هل ستعزز السلام؟ وهل ستساهم في الازدهار البشري؟ بالنسبة لرواد الأعمال، يمثل هذا الأمر مسؤولية وفرصة في آن واحد؛ فالابتكار يجب أن يعزز الكرامة الإنسانية لا أن يقلل منها. وينبغي على الذكاء الاصطناعي أن يوسع نطاق التقييم البشري بدلاً من استبداله، وأن يشجع التعاون بدلاً من الاستقطاب، وأن يمكن الجماعات المحلية بدلاً من تركيز السلطة في أيدي فئة قليلة. وهذه المسؤولية تمتد إلى ما هو أبعد من برمجيات الذكاء الاصطناعي نفسها؛ فنحن ندخل عصراً يعتمد فيه الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد على البنى التحتية المادية، بما في ذلك الأقمار الصناعية، وأنظمة البيانات، وشبكات الاتصالات، والتقنيات المستقلة. وتصبح هذه البنى التحتية جزءاً من الهيكل الأخلاقي للمجتمع، ولذلك ينبغي تصميمها ليس فقط من أجل الكفاءة والنجاح التجاري، بل وأيضاً لتعزيز المرونة، والشفافية، والاستجابة الإنسانية، والسلام. لا يجب على التقنيات التي تربط البشرية أن تتحول أبداً إلى أدوات لتقسيمها. كما يحذر البابا لاوُن من النموذج المعرفي التكنوقراطي، الذي تصبح فيه الكفاءة والسيطرة والربح غايات في حد ذاتها. إنَّ الكفاءة هي أداة استثنائية، لكن يجب ألا تصبح أبداً الهدف الأسمى. وتكتسب القيادة القائمة على الفضيلة في مجال التكنولوجيا أهمية متزايدة يوماً بعد يوم. فالشركات التي تبني عملها حول إطار لخدمة البشرية يمكنها أن تكتسب شيئاً أكثر قيمة من الحصة السوقية، أي أنها تستطيع كسب ثقة الجمهور. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق مظهراً من المعرفة اللامتناهية، لكنه لا يملك ضميراً أو خبرة إنسانية معاشة. وبالتالي، تصبح الشخصية الأخلاقية أصلاً استراتيجياً لأن التكنولوجيا تعكس في النهاية الأشخاص الذين يبتكرونها ويحكمونها.

أضاف أرتور كلوز مجيبًا على السؤال حول ما هي الطرق الرئيسية التي يمكن لمطوري الذكاء الاصطناعي من خلالها معالجة هذه المخاوف المتعلقة بسوء الاستخدام وفقدان الإرادة البشرية وقال أعتقد أن التوتر الذي يصفه الأب الأقدس—وجود الرجاء والمخاوف معاً—هو الموقف الصحيح تماماً. وهو أمر ألمسه أيضاً في حواراتي مع المؤسسين والمهندسين. ويمكن للمطورين والمستثمرين اتخاذ خطوات ملموسة؛ على سبيل المثال، ينبغي دمج الإشراف البشري منذ البداية في بنية أنظمة الذكاء الاصطناعي، وليس كإضافة لاحقة. وتحتاج الأنظمة إلى نقاط مدروسة يُطلب فيها من الإنسان اتخاذ قرار، لا أن يُسمح له بذلك فحسب. كذلك، يُعد الاستثمار في بنية تحتية موثوقة للمعلومات أمراً أساسياً؛ فأوضح دروس هذا العصر هو أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تكون موثوقة فقط بقدر موثوقية المعلومات التي تُبنى عليها، ودعم سلامة البيانات لا يقل أهمية عن تحسين قدرة النموذج. وهناك خطوة أخرى تتمثل في اعتبار التنشئة الأخلاقية جزءاً من التنشئة التقنية؛ إذ تحتاج الفرق الهندسية إلى مشاركة حقيقية في التأمل الأخلاقي واللاهوتي، بدلاً من معاملة الأخلاقيات كخطوة مراجعة نهائية في نهاية تطوير المنتج. ويحتاج المطورون إلى القدرة على ممارسة “ضبط النفس” كانضباط مهني؛ فستكون هناك مواقف يتعين عليهم فيها قول “لا” لتطبيقات معينة، حتى عندما تدفعهم الضغوط التجارية إلى المضي قدماً.

تابع أرتور كلوز مجيبًا على السؤال حول إن كان بإمكانه أن يقدّم بعض الأمثلة الملموسة أو الممارسات الفضلى من القطاع وقاليمكن للتكنولوجيا التي تخدم الإنسانية أن تتخذ أشكالاً مختلفة. وتوضح إحدى المبادرات التي أسستها، وهي “جائزة كلوز لتكنولوجيا السلام” واثنان من الفائزين بها مؤخراً، كيف يمكن تطبيق التقنيات الرائدة لأغراض إنسانية؛ إذ تعمل مبادرة “الفضاء المشترك” (Common Space) على تطوير مهمة قمر صناعي مستقلة تركز على بناء السلام والعمل الإنساني. وتستخدم شركة “Aerobotics7” طائرات بدون طيار تعمل بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في كشف وتحييد الألغام الأرضية في مناطق الصراع، بما في ذلك أوكرانيا. ويظهر كلا المثالين كيف يمكن توجيه التقنيات المتقدمة نحو حماية الحياة البشرية بدلاً من زيادة الأضرار. وهناك مجال هام آخر وهو تنشئة التقنيين أنفسهم؛ إذ يجب أن يرافق التميز التقني تنشئة أخلاقية وإنسانية.

نحن بحاجة إلى أشخاص يتقنون لغة الابتكار التكنولوجي والتقاليد الأخلاقية التي تساعد في توجيه استخدامه على حد سواء. وأنا أدعم أبحاثاً في روما تستكشف العلاقة بين اللاهوت وفيزياء الكم، وأعمل أيضاً على تشجيع الفرص المتاحة للمؤسسين والمهندسين والمبرمجين للتفاعل مع الجامعات الكاثوليكية والتقاليد الفكرية. والهدف هو المساعدة في إعداد أشخاص يتمتعون بخبرة عميقة في الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات الرائدة، مثل استكشاف الفضاء والحوسبة الكمومية، مع تطوير فهم رصين للتعليم الاجتماعي والأخلاقي الكاثوليكي في الوقت عينه. هذه القضايا بالغة الأهمية بحيث لا يمكن مقاربتها من قِبل متخصصين يفهمون جانباً واحداً فقط؛ بل نحن بحاجة إلى أشخاص قادرين على التعامل مع الإمكانيات التقنية والأسئلة الإنسانية الأعمق المرتبطة بها. وقد يقوم بعض هؤلاء الأفراد في نهاية المطاف بتقديم المشورة للمؤسسات والحكومات والقادة الذين يعالجون هذه التحديات. وبالتطلع إلى المستقبل، قد تكون هناك حاجة إلى جماعة أوسع من التقنيين المسيحيين، ونعني بهم رواد الأعمال والمهندسين والمبرمجين والمستثمرين والأكاديميين وصناع السياسات والفلاسفة واللاهوتيين الذين يجمعون بين القدرة التقنية والقناعة والشخصية والمسؤولية. ويجب أن يقترن الابتكار الرائد بالتنشئة الأخلاقية والمساءلة المؤسساتية؛ فلا يكفي أي منهما بمفرده. ومن بين المجالات التي يتضح فيها هذا النهج بشكل خاص تكنولوجيا الفضاء.

وخلص خبير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أرتور كلوز حديثه لموقع فاتيكان نيوز مجيبًا على السؤال حول كيف تعمل تكنولوجيا الفضاء في هذا الصدد وقاللم تعد الأقمار الصناعية مجرد أدوات للملاحة والاتصالات؛ بل أصبحت جزءاً من البنية التحتية الإنسانية للقرن الحادي والعشرين. فيمكنها تقديم إنذارات مبكرة عن الكوارث الطبيعية، ومراقبة انعدام الأمن الغذائي، ودعم التحقق من وقف إطلاق النار، وتوثيق الهجمات على المدنيين، ومساعدة عمليات البحث والإنقاذ، وتحسين تقديم المساعدات الإنسانية. وإذا استُخدمت تقنيات الفضاء بمسؤولية، يمكنها أن تصبح بنى تحتية للسلام بدلاً من مجرد أدوات للمنافسة. وتلك التقنيات عينها يمكن استخدامها للتنبؤ بالكوارث، وحماية المدنيين، وتقديم الدعم الإنساني؛ أو يمكن استخدامها للمراقبة والإكراه والضغط. والفارق لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في الحوكمة، والمحفزات، والخيارات الأخلاقية. ولهذا السبب تكتسب مبادرات مثل الـفضاء المشترك أهمية كبيرة؛ إذ يمثل تطوير قدرات أقمار صناعية مستقلة مخصصة للأغراض الإنسانية والتنموية وبناء السلام جهداً لإنشاء بنية تحتية مصممة حول المصلحة العامة. وبدلاً من الاعتماد فقط على الوصول المؤقت إلى الصور التجارية أو التنافس مع الأولويات التجارية والدفاعية، تسعى مثل هذه الأساليب إلى إنشاء أنظمة تكون مهمتها الأساسية خدمة الاحتياجات الإنسانية. ويبقى نموذج الحوكمة، المرتكز على الاستقلالية، والوصول المفتوح للجهات الفاعلة الإنسانية، والإدارة المسؤولة، هو المفتاح والأساس في هذا الشأن.

‫شاهد أيضًا‬

احتفل راعي أبرشيّة بيروت المارونيّة المطران بولس عبد الساتر بالقدّاس الإلهي لمناسبة تكريس كنيسة الأمّ الحزينة في بياقوت

احتفل راعي أبرشيّة بيروت المارونيّة المطران بولس عبد الساتر بالقدّاس الإلهي عاونه فيه خادم…