‫‫‫‏‫5 ساعات مضت‬

البابا: لا توجد محبة لله بدون محبة القريب!

فاتيكان نيوز

في عظته مترئسًا القداس الإلهي خلال زيارته الراعوية إلى جزيرة لامبيدوزا الحبر الأعظم يدعو أوروبا لسياسات استراتيجية تحترم كرامة الإنسان ويؤكد: “حضارة المحبة تولد من أفعال أمانة صغيرة وثابتة”.

وسط أجواء مفعمة بالإيمان والرجاء، احتضن الملعب الرياضي في جزيرة لامبيدوزا القداس الإلهي الذي ترأسه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، صباح اليوم السبت، وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها إن الله يحبنا دائماً أولاً. وإن جمال البحر، وهذه الجزيرة، ووجوهكم، لهو انعكاس لمبادرته المجانية: فالمحبة تسبقنا، وتحيط بنا، وتجمعنا. أنا ممتن للرب لتمكني من زيارتكم، على خطى البابا فرنسيس، الذي أراد في ٨ تموز/يوليو ٢٠١٣ أن يأتي إلى لامبيدوزا في أول رحلة له كخليفة لبطرس.

تابع الأب الأقدس يقول إن الرسل، كما تعلمون، قد أبحروا في البحر الأبيض المتوسط واختبروا ضيافة سكان جزره وسواحله، التي شكلت منذ آلاف السنين ملتقى للحضارات. إن الإنجيل يتردد صداه حيث تلتقي الشعوب، ويقبل الأشخاص بعضهم بعضًا، وتتشابك مصائرهم، وتتحاور الثقافات المختلفة. ولكنه يصبح صامتاً، حيث يصنع كل واحد من نفسه جزيرة منفصلة، وحيث يتمُّ تجنُّب التواصل، وينقطع التبادل. وبهذا المعنى، فإن مَثَل السامري الصالح، الذي تلي على مسامعنا للتو، يصف قصة مستمرة. وقد ساعدتنا الرسالة العامة “Fratelli tutti” على إعادة قراءته في خضم الظروف التاريخية المأساوية التي ما زلنا غارقين فيها. إن كلمة الله هي دائماً لليوم الحاضر، وتدخلنا في حوار لنخرج منه متحوِّلين. فكيف نجيب، إذن، على محبة من أحبنا أولاً؟

أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الأعزاء، إن لامبيدوزا ولينوزا توجدان اليوم على طريق خطير يشبه ذلك الطريق الذي كان ينحدر من أورشليم إلى أريحا. هنا لم تروا شخصاً واحداً فحسب، بل آلاف البشر الذين وقعوا بأيدي لصوص سلبوهم كل شيء، وأبرحوهم ضرباً ومضوا، تاركينهم شبه أموات. أما الآخرون، الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى حيث أملوا، فقد ابتلعهم البحر. لكننا نشعر بوجودهم، الذي يستدعي انتباهنا بقدر ما يستدعيه أولئك الذين نزلوا إلى الشاطئ، وهم في حاجة إلى الاهتمام والمساعدة. فقبل أي اعتبار فكري أو قناعة أيديولوجية، فإن صدمة اللقاء بالذي يُلقى أمامنا مُجرَّدًا من كل شيء، تدعو إلى القرب والمواساة. إن الرسالة إلى العبرانيين تقول لنا: ” أذكروا المظلومين لأنكم أنتم أيضا في جسد”. هذا هو جوهر مثل الإنجيل: أن نكون قريبين، وأن نصبح قريبين!

تابع الأب الأقدس يقول لقد جئت لأشكركم، أيها الإخوة والأخوات في لامبيدوزا، على القرب الذي اختار الكثير منكم ممارسته. لقد تكررت هنا معجزة الشفقة – “ورَآهُ فأَشفَقَ علَيه” – وهي ثورة داخلية تبرز فينا “إحساس” الله وتوسع أفكارنا وقلوبنا وحياتنا. أتوجه بالشكر للمتطوعين، وللجمعيات المنضوية تحت لواء “منتدى لامبيدوزا التضامني”، وللمؤسسات المدنية، وخفر السواحل، ورؤساء البلدية والإدارات التي تعاقبت على مر الزمن؛ شكراً للشمامسة، والكهنة، والراهبات، والأطباء، والأخصائيين النفسيين، والمربين؛ شكراً لقوات الأمن ولجميع الذين اختاروا، سواء نالوا عطية الإيمان أم لا، أن يحبوا معاً. نعم، لأن المحبة بينكم هي التي نظمت نفسها، تلك المحبة التي تعتبر الشفقة التي ترى الأخ في عرض البحر بمثابة نبضها الأول، والنداء العميق للمجازفة بما لم يكن ليخطر ببالكم أبدًا. وأحيي المهاجرين المتواجدين هنا: فهم أنفسهم لم يتلقوا التضامن فحسب، بل مارسوه مرات كثيرة في رحلتهم، كفقراء يساعدون من هم أفقر منهم. شكراً لكم، أيها الإخوة والأخوات، لأنه ليس هناك شيء بديهي أو آلي في اقترابكم هذا.

أضاف الحبر الأعظم يقول والمثل يخبرنا بذلك: إنَّ المحبة تكون دائماً في الحرية، والحرية تكمن في القرارات. وهناك أيضاً من يختار ألا يكون قريباً، ومن يقرر ألا يقرر. إن الموتى في هذا البحر هم ضحايا لقرارات اتُّخذت، ولأخرى لم تُتَّخذ: اللامبالاة بالخير العام، والفساد في بلدان المنشأ، والنظام الاقتصادي العالمي الذي يولد الفقر والإقصاء، والخوف الذي يغذي الأحكام المسبقة والازدراء، وفكرة أن هذه المشاكل لا تعنينا، والحسابات الإجرامية لمن يتربحون من مآسي الآخرين، والانتقال البطيء والصعب من مجرد إدارة الطوارئ إلى وضع سياسات متكاملة ومشتركة: جميع هذه الأمور تعيد إنتاج عجلة “المرور والعبور بدون التفات” في الرواية الإنجيلية.

تابع الأب الأقدس يقول في المثل، كان هناك كاهن “صدفة”، وتلاه لاوي. وكلاهما رأى ما حدث، ولكنهما مضيا وعبرا بدون أن يلتفتا. وللأسف، لا يخلو أي زمن من الذين يخافون من أن يدنِّسوا أنفسهم بالاتصال بالآخرين، فينكرون بذلك – حتى أمام المعاناة والموت – أصلنا المشترك في الله، والكرامة اللامتناهية لكل كائن بشري، والدعوة إلى محبة بلا حدود. لقد حان الوقت للاعتراف والتأكيد على أن الانتماء الديني لا يجب أن يصبح أبدًا سببًا للتمييز، وكأن الإيمان له حدود، وليس دعوة عالميّة للخلاص. وحيث كانت هناك جدران فاصلة، فقد هدمها المسيح. فلا توجد محبة لله بدون محبة القريب، ولا يوجد قريب إن لم أقترب أنا منه. إن التوقف، والتأثر، والانحناء، والبكاء أمام ألم الآخرين –كما فعل يسوع – يعني الدخول في حركة المحبة، تلك التي أظهر الله نفسه من خلالها.

أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الأعزاء، إن الذي يسمح لديناميكية الشفقة والرحمة هذه أن تقوده، يبدأ في العيش بشكل مختلف، وفي ممارسة المواطنة بشكل مختلف، والعمل بشكل مختلف. عندها يمكن حقاً أن تولد حضارة المحبة، تلك التي تطلع إليها أسلافي القديسون يوحنا الثالث والعشرون، وبولس السادس، ويوحنا بولس الثاني. فإلى جانب عدد كبير من الأنبياء والشهداء في القرن الماضي، أدركوا أنه لا يمكن الرد على أغوار القلب البشري وأهوال الحرب إلا بالرحمة والبدايات الجديدة. والآن، وعلى أكتاف هؤلاء العمالقة، دخلنا في ألفية يتعين علينا فيها إعطاء شكل روحي، وثقافي، وقانوني، وسياسي، واقتصادي لحضارة المحبة. لتعلّمنا إذن فظاعة الألم الذي نشهده جذرية هذا النداء.

تابع الأب الأقدس يقول على مثال السامري، يمكننا أن نغيِّر برنامجنا ووجهتنا. ولدينا من الموارد والفرص ما يفوق السامري لكي نعطي الرجاء تجسيداً تاريخياً. “فَدَنَا مِنْهُ وَضَمَّدَ جِرَاحَهُ، وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتًا وَخَمْرًا، ثُمَّ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَذَهَبَ بِهِ إِلَى فُنْدُقٍ وَاعْتَنَى بِأَمْرِهِ”. وعلينا بالطريقة عينها أن نعترف أن “حضارة المحبة لا تولد من لفتة فريدة ومبهرة، بل من مجموع أفعال أمانة صغيرة وثابتة، تشكل سداً في وجه إسقاط الإنسانية”. وأنتم، أيها الأصدقاء في لامبيدوزا، شهود على ذلك! هنا، من خلال التفاعل معكم، نَفهم عصرنا بشكل أفضل، ويمكن لكل واحد منا أن يتحقق من مسار حياته. “بالتأكيد، لا يملك الجميع القدرة نفسها على التأثير في الواقع […]. ومع ذلك، لا يوجد أحد بلا مسؤولية. فكل شخص يملك نطاق عمله الخاص، وهناك – وليس في مكان آخر – هو مدعو لكي يختار إما أن يُغذِّيَ منطق القوة (ولو بمجرد اللامبالاة، أو السخرية، أو الكذب، أو الكراهية)، وإما صون منطق السلام (بالحق، والتعقل، والقرب، والعناية)”.

أضاف الحبر الأعظم يقول لذلك، ومن هذا الشريط القاصي من أوروبا في البحر الأبيض المتوسط، يتضح بشكل أفضل النداء التاريخي الذي توجهه ظاهرة الهجرة إلى المجتمعات الأوروبية. ومن هذا الجانب أيضاً – كما هو الحال في جوانب التحول البيئي وتعزيز السلام – تمتلك أوروبا إمكانات فريدة، مستمدة من تاريخها وثقافتها، وتتحمل بالتالي مسؤولية موازية. فبحكم موقعها الجغرافي وتركيبتها المؤسساتية، تستطيع أوروبا – في هذه المنطقة – مواجهة الأزمة بطريقة متكاملة، عبر إدراج الإسعافات الأولية ضمن خطة استراتيجية بعيدة المدى، قادرة على استقبال المهاجرين، وحمايتهم، وتعزيزهم، وإدماجهم، والعمل في الوقت عينه من أجل التنمية، لكي لا يُجبر أحد على الهجرة. كل هذا مع السهر على احترام كرامة كل شخص. وهي مهمة تقع على عاتق المؤسسات العامة، وإنما أيضاً على عاتق المجتمع المدني بأسره والكنيسة.

تابع الأب الأقدس يقول أيتها الأخوات وأيها الإخوة، كما قلت مؤخراً في تينيريفي، خلال الزيارة الرسولية إلى إسبانيا، فإن لثقافة الاستقبال في لامبيدوزا أيضاً دعوة سياحية، يمكنها – للأسف – أن تشعر بالتهديد من قِبل طرق الهجرة، وأن تتطور في ظل اللامبالاة، أو حتى في تضاد مع جوانبها المأساويّة. فبالنسبة للكثيرين، في الواقع، العطلة هي مجرد تسلية وخفة وراحة بال. عندها يبدو وكأنه يتوجب رفع جدار غير مرئي بين بحر الغرقى وبحر المصطافين. تحلوا بالشجاعة للتفكير بشكل مختلف. وتدريجيًّا وبفضل الإبداع، ستتمكنون من جعل كل من يقضي فترة، حتى لو كانت فترة راحة، على هذه الجزيرة، أن يصبح أكثر إنسانية من خلال التفاعل مع محبتكم، ومع ما علمكم إياه البحر، ومع اللقاءات التي ربتكم. فالراحة الحقيقية، في الواقع، توجد حيث يُستعاد معنى الحياة؛ والرفاهية الحقيقية توجد عندما يكون الاقتصاد عادلاً وأخوياً. وفي هذا الاقتصاد، تلتحم العناية بالخليقة والصداقة الاجتماعية في توليفة تبحث عنها البشرية اليوم.

أضاف الحبر الأعظم يقول لقد ذكرتنا القراءة الأولى بأن الضيافة “جَعَلَتْ بَعْضَهُمْ يُضِيفُونَ الْمَلَائِكَةَ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ”. فكونوا إذن، في نطاقكم الصغير، نبوءة لما يمكننا أن نتوق إليه معاً على نطاق واسع. وستكونون أنتم وعائلاتكم أول المستفيدين من ذلك، بتجاوز الانقسامات والخلافات التي لا يمكن حلها إلا بالمحبة. ولتكن الرعية، بشكل خاص، جماعة يتعلم فيها الجميع معاً، في مدرسة الإنجيل، الاستقبال والمرافقة والإدماج، بأسلوب الشركة.

وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول لدينا هنا، إلى جانب المذبح، تمثال العذراء مريم “ميناء الخلاص”، شفيعة لامبيدوزا. ولعلكم تعلمون أن القديس أوغسطينوس كان يحب أن يصف الحياة البشرية بأنها إبحار في بحر هائج، ومصيرها كميناء خلاص آمن وأكيد. لا نسمحنَّ للخوف بأن يتغلب علينا، وإنما لننظر إلى الأتعاب اليومية كزمن للفرص والشهادة. وليتوطد إيمانكم، أيها الأعزاء، من خلال هذه السنوات من المحنة والالتزام السخي. وليعُد هذا التمثال المكرَّم ليخاطبكم بقوة الزمان الغابر، عندما كان من ورّثكم هذا التعبد يكل نفسه إلى شفاعة العذراء بصدق مطلق. لدينا جميعًا في الله ملاذًا آمنًا، وكل جماعة مسيحية مدعوة لتكون انعكاساً له على الأرض. وأنتم، يا جماعة لامبيدوزا ولينوزا، لا يغيبنَّ عنكم أبداً نفس الإيمان والرجاء والمحبة: “أو شيا!”.

‫شاهد أيضًا‬

البابا لاوُن الرابع عشر يزور جزيرة لامبيدوزا

فاتيكان نيوز “أنا هنا لأقول لكم إن البابا يواصل مرافقتكم، ويدعمكم، ويشجعكم” هذ…